لا يخاف بعض مسيحيي الأطراف من قولها: نعم نحن مسلحون. ولا يخشون الظهور أمام العدسات مكشوفي الوجوه أو خلال حراساتهم الليليّة. فما يفعلونه يجب أن يفعله كل مسيحي لديه “شرف وناموس” على ما يقولون ويفعلون بغطاء من قيادة الجيش وبالتنسيق التام مع عناصرها على الأرض.
في جلسات شباب الضاحية الليليّة همسٌ معدٍ عن مسيحيي قرى الأطراف المتداخلة. أقلّ ما يقوله هؤلاء نقلاً عن بعض متفحّصي الميدان البقاعي والعائدين بمشهديةٍ عما يحصل هناك إن حزب الله لا يترك كلَّ طالب تدريبٍ على حمل السلاح في وجه الإرهاب إلا ويضمّه الى معكسر غير مُعلنٍ عنه يؤدي دوراً تكميلياً لما تضطلع به المؤسسة العسكرية. أما السلاح ففي مرمى تضارب المعلومات بين قائل إن “عملية تسليح واسعة تشهدها قرى البقاع الحدودية ذات الأكثرية المسيحية كي يتوفّر سلاحٌ في كلّ بيت”، فيما يؤكد بعضٌ من خائضي تجربة الحراسة الليلية في تلك القرى لـ”صدى البلد” أنهم “لا يحتاجون الى تسليح لأن كلّ بيت بقاعي فيه سلاح بغض النظر عن طائفة أهله”.
رجفة موقتة...
ليست فكرة التسلّح جديدة على البُقع المسيحيّة، ولكن الجديد غير المُتوقّع - سيكولوجياً واجتماعياً- أن تكون هناك قابلية لحمل السلاح مجدداً لدى بعض المسيحيين ممن عاشوا الحرب الأهلية بوجعها ووحشيّتها. الواقع لا يعترف بالأبعاد النفسية بالنسبة الى هؤلاء، فالخطر الإرهابي داهمٌ وعلى مشارف قراهم والمسلّحون يسرحون ويمرحون على مرأى منهم، والارتجاف من حمل رشّاش أو مسدّس إنما هو شعورٌ آني سرعان ما يتلاشى عندما يفكّر حامل السلاحُ اياً كان نوعه بأن عناصر من ناحري الرؤوس على بعد أمتار معدودةٍ من أرضه وعرضه وناسه.
عسكريون متقاعدون وذوو نخوة
هكذا هي حال بعض القرى المسيحية الحدودية بقاعاً. هناك الشبابُ حراسٌ ليليّون يتناوبون بالمئات على التجوّل مسلّحين عند أطراف البلدات خوفاً من أي حركةٍ مشبوهةٍ بالتنسيق مع الجيش. يرفضون الحديث عن معسكراتٍ تدريبيّة يخضعون لها خصوصًا متى كان معظمهم من قدامى الجيش المتقاعدين الذين انضمّ اليهم شبابٌ متحمّسون وحتى ستينيون تسعفهم صحّتهم على خوض تجربة الحراسة. هناك لا حديث عن تسليحٍ بالمعنى الدقيق للكلمة، فكلٌّ يحمل سلاحاً كان موجوداً في منزله ويخرج. توفيق. م (الاسم الحقيقي) هو ليس سوى واحد من مئتي شابٍ يخرجون كلّ ليلةٍ لحراسة بلدتهم البقاعية رأس بعلبك. تلك القرية المسيحية تعرف جيداً أن الإرهاب لن يعفيها متى كان التسلل اليها سهلاً. يؤكد توفيق لـ “صدى البلد” أن “أكثر من مئتي شاب يخرجون كلّ ليلة من الساعة الثامنة مساءً حتى السادسة صباحًا”. وما إذا كان هناك أي تنسيق مع حزب الله في مجال الحراسة يقول توفيق: “نحن شباب الراس نحرس وحدنا ولكننا على تواصل دائم مع الجيش ومتى استشعرنا بحركةٍ غريبة نبلغ عناصر الجيش مباشرة”. هل تلقيتم أيّ تدريبٍ على يد سرايا المقاومة؟ يتلقف توفيق: “ليس نحن. فمعظمنا عكسريون متقاعدون معتادون على حمل السلاح، وينضمّ الينا بعض الشباب المدنيين بنخوةٍ منهم ولكن عددهم محدود إذ إن الأكثرية هم من العسكريين المتقاعدين”.
“أنا زلمي من الراس”
لا يتوقف توفيق الذي يسري دم المؤسسة العسكرية في عروقه عند حكاية تسليح المسيحيين، فهو ورفقاؤه لم يعيشوا التجربة على ما يؤكد بحكم أن “كلّ بيت في الراس فيه سلاح”، ومع ذلك لا يتردّد في دعوة جميع المسيحيين الى التسلّح دفاعاً عن شرفهم”. يرفض الرجل الخائف على عائلته وقريته وأهله الحديث عن أي تنسيقٍ مع حزب الله: “أعوذ بالله. نحن علاقتنا مع الجيش اللبناني وتحديداً فرع المخابرات في الضيعة وفوج المجوقل. ولكننا نرحّب بكلّ من يحارب الإرهابيين. والجيش يعرف جيدًا أننا نتحرّك ليلاً وحتى وزير الداخلية والبلديات دعا الى توظيف حراسٍ”. أنتَ لست موظفاً؟ يجيب: “أنا لا موظف ولا شي. أنا زلمي من الراس وبدي أحمي عايلتي وولادي وكتار متلي”. ويردف: “لم نكن مستعدين كمسيحيين لحمل السلاح ولكن لا يهون علينا أن نرى على مقربةٍ منا إرهابيين يذبحون أهلنا وناسنا. هل نقف متفرّجين عليهم؟ كلّ لبناني في شرف وناموس ما بيضل قاعد ببيتو”.
في الظاهر يرفضون
لا تعايش قرى البقاع المسيحية وحدها هذه المشهدية الليلية، ففي المحافظات الأربع الأخرى مشهدياتٌ مشابهة لكن من دون سلاح أو أقله بسلاحٍ خفيف غير معلن. نادرةٌ هي القرى التي لا يخرج ناسُها ليلاً لمساعدة عناصر شرطة البلديات المحدودين عددياً وعتاداً، خصوصًا في القرى التي أرست فرض تجوال على الغرباء بعد غروب الشمس. صحيحٌ أن معظم هذه القرى بعيدة جغرافياً عن منافذ المتشددين الحدودية، إلا أن الخوف ممّا يخبئه النازحون بالمئات والآلاف يدفعها الى التحوّط وفتح العيون، من دون أن يشعر ناسُها جدياً بأن التسلّح بات ضرورة... ليس بعد، خصوصًا أن القادة المسيحيين يعارضون ظاهراً تسليح أبناء طائفتهم خوفاً من عودة ظاهرة انتشار السلاح العشوائيّ في مرحلة ما بعد “داعش” وجبهة النصرة، ولقناعةٍ منهم بأن مرحلة الحرب الدامية لا يجب أن تعود الى الدُور المسيحية بأي مظهرٍ من مظاهرها.
... ودور سرايا المقاومة؟
بالمناظير يرصد أهالي رأس بعلبك المسلحين يتنقلون في الجرود. عامٌ وشهران مضت على حراسة توفيق التي عززها في الآونة الأخيرة مع مجموعةٍ أكبر قفز عددها من عشرين شاباً الى قرابة مئتين. هناك، وفي بعض القرى يكثر الحديثُ عن دورٍ لحزب الله وتحديداً لسرايا المقاومة في مدّ يد العون للمسيحيين، حتى إن بعضهم انخرط في السرايا على شاكلة “احتياطي” على ما علمت “صدى البلد” تحسباً لأيّ سيناريوهات مستقبلية لا يمكن استبعادها من الجماعات الإرهابية. ويؤكد رئيس بلدية رأس بعلبك هشام العرجا لـ”صدى البلد” أن “أهل رأس بعلبك حذرون وغير خائفين ومصرون على البقاء في بلدتهم وعديد الجيش مرتفع وانتشاره معزّزٌ فيها. أما على مستوى التسلّح، وكما في معظم البلدات، كلّ بيت يحتضن سلاحاً فردياً وشبابُنا يساعدون الجيش اللبناني”. وشدد العرجا على أن “هناك شباباً مسيحيين انضموا الى سرايا المقاومة حيث يتمّ تسليحهم. ففي رأس بعلبك وفي هذه الظروف مصلحة قريتنا تعلو على طوائف السكان وانتماءاتهم الحزبية. هناك خطرٌ لا يستثني أحداً وجميعنا نسهر على أمن ضيعتنا”.
النيّة موجودة
في الظاهر، ما زال الحديث عن تسليح المسيحيين أشبه “بالمحظور” النفسي الذي لا يعيد الى الأذهان مشهدية تسليح مسيحيي سورية بقدر ما يرسم صوراً من العام 1975، وهو ما يجعل مقاربة الموضوع فرضياً حذرة وغير انفلاشية في إطار لا يتجاوز مفهوم “الحراسة” القائم على نخوةٍ فرديةٍ خوفاً على الأرض والعُرض، من دون أن يعني ذلك أن النيّة غير موجودة متى أصبح الإرهاب أقرب...



