التسوية التي جاءت برئيس “تكتل التغيير والاصلاح” العماد ميشال عون الى “الموقع المسيحي الاول” واعادت رئيس “كتلة المستقبل” النيابية سعد الحريري الى “الموقع السني الاول” لا ينفصل عن تطورات المنطقة وما يُحاك فيها وما يدور في ارجائها من تبادل ادوار ومصالح وخدمات.
هذه التسوية لم تكن نتاجاً لبنانياً صرفاً مع احترامي لكل من يقول او يعتقد هذا الكلام، ولو كان الأمر كذلك، ما كان الحوار الوطني ليتعثر ويتوقف وما كانت التسوية المتكاملة التي اُدرجت تحت عنوان “السلة” الواحدة اخفقت وصُرِف النظر عنها.
وكذلك لم تكن التسوية نتاجاً اقليمياً صرفاً وتحديداً نتاج اتفاق وتفاهم بين “السعودية وايران”، كون هذا الصراع مستمر وعلى رقعة واسعة من المنطقة العربية ولم يحل دون حصول انتخابات رئاسية في لبنان.
“إتفاق معراب” ..
هنا واذا اردنا ان نكون موضوعيين نقول صحيح ان “اتفاق معراب” وترشيح الدكتور سمير جعجع للعماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية لعب دورآ اساسيآ على المستوى المسيحي خصوصآ وعلى الداخل اللبناني عمومآ، وكان له بعض التأثير على قرارات الحريري وجنبلاط من اجل السير بترشيح العماد عون في رئاسة للجمهورية لاعتبارات منها سياسية ومنها انتخابية، لكن في المقابل يجب علينا عدم اغفال لحظة تقاطع المصالح “الاميركية-الايرانية” وتمرير التفاهمات في آخر ايام باراك اوباما قبل ان يغادر البيت الأبيض ويأتي رئيس جديد (دونالد ترامب) مع سياسة جديدة لا يمكن للايرانيين التكهّن بمحتواها والركون اليها والبناء عليها للمستقبل.
أميركا وإيران..
ايران لم تكن علاقتها جيدة يومآ مع اميركا بقدر علاقتها مع اوباما وادارته والتي اثمرت اتفاقاً نووياً واعترافاً اميركياً بدور ونفوذ ايراني اقليمي في المنطقة، حيث ذهبت الى ابعد حدّ ممكن في التناغم مع السياسات والمصالح الأميركية وفي إبرام ما امكن من تفاهمات وتسويات مع ادارة اوباما.
في اليمن التقت اميركا وايران على ضرورة وضع حدّ للحرب بإعتبار ان الحلّ لا يمكن ان يكون سياسياً وان الحرب التي تقودها السعودية لن تصل الى نتيجة ولا الى حسم الوضع عسكريآ وفرض الحل، بل فان مواصلة الحرب ستسبّب بمزيد من التورّط وتعميق المأزق وستزيد من تهديد الأمن والإستقرار في الخليج العربي.
وفي سوريا جاء الإنخراط الإيراني في العملية السياسية التي تقدمت تحت غطاء اميركي – روسي قبل ان تتوقف عند ابواب حلب.
كما اعطت ايران الاميركيين تسهيلات في العراق واخذت في المقابل تسهيلاً اميركياً في لبنان وعلى قاعدة الإعتراف بنفوذ ايران في لبنان وبالواقع القائم الذي يفيد ان “حزب الله” هو صاحب الكلمة الفصل في موضوع رئاسة الجمهورية، وان الحزب مؤيد منذ البداية لترشيح العماد عون ولا خياراً آخر للرئاسة لديه حتى من اقرب المقربين له النائب سليمان فرنجية.
التسوية “الأميركية – الايرانية”..
ولما لم يكن الإنتخاب ممكناً وجائزاً الا على اساس تسوية متكافئة فإن التسوية “الأميركية- الايرانية” تضمنت بندين متلازمين هما: انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية وتولّي سعد الحريري رئاسة الحكومة على سبيل التوازن الوطني وكي تشّق التسوية طريقها الى التنفيذ على ارض الواقع.
وهكذا فإن حليف السعودية رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري وافق على انتخاب العماد ميشال عون رئيسآ للجمهورية، في مقابل ذلك إرتضى حليف ايران “حزب الله” ان يعود الحريري الى رئاسة الحكومة.
ما الذي تغير منذ ذلك اليوم؟ …
حزب الله لم يكن موافقاً على عودة الحريري لرئاسة الحكومة قبل سنة عندما اعتمد الأخير خيار سليمان فرنجية مرشحآ لرئاسة الجمهورية، كما إن الحريري لم يكن قادراً على السير بخيار انتخاب عون لرئاسة الجمهورية، فما الذي تغير منذ ذلك اليوم؟
ما حصل ان سعد الحريري دخل التسوية بعد اخذه الضوء الأخضر من السعودية، والمملكة لم تكن لتسلك هذه الطريق وتوافق على تسوية “عون مقابل الحريري” لولا التشجيع الأميركي والإيحاء بأن هذا هو اقصر السبل وافضلها للحفاظ على الإستقرار في لبنان وعزله عن كل حرائق وازمات المنطقة، وايضاً للحفاظ على المصالح السعودية في لبنان بعد ان اصبح كل هذا مهدداً إثر انكفاء السعودية عن الساحة اللبنانية وانصرافها الى ملفاتها وهمومها وحيث لم يعد لبنان اولوية لديها، ودفع سعد الحريري ثمناً غالياً لذلك وكاد ان يصبح ضحية “اللامبالاة” السعودية حيال لبنان.
تراجع الحروب وتقدم التسويات..
اذن هذه التسوية هي جزء من سياق عام في المنطقة عنوانه تراجع الحروب وتقدم التسويات، وهذا ما جعل زيارتا الوزيرين الايراني والسعودي ظريف وسبهان لبيروت تتقاطعان عند جملة كررها الاثنان وهي وجوب تعميم النموذج اللبناني” الرئاسي-الحكومي” في اكثر من بلد عربي.
هذا ما يحصل في سوريا والعراق مع الحروب التي تُخاض في حلب والرقة والموصل وهذا ما يحصل في اليمن مع بدء العدّ العكسي للحرب التي استنفدت اغراضها، ومن الطبيعي ان السعودية التي تعطي ملف اليمن اولوية مطلقة لإرتباطه بأمنها القومي حصلت في هذا الملف على اعتراف اميركي-ايراني بمصالحها ونفوذها في اليمن وعلى تسوية سياسية هناك تناسب مصالحها وهواجسها، ومن الطبيعي ان تقابل السعودية هذا المكسب بتسهيل الأمور في لبنان والمساهمة في دفع التسوية التي جاءت بحليف “حزب الله” ومرشحه العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية وجاءت بحليف المملكة العربية السعودية سعد الحريري الى رئاسة الحكومة.
الإرتباك العام .. والضحايا والخسائر السياسية.
من هنا القول لو كان انتخاب رئيس الجمهورية صناعة لبنانية صرفة لما تأخر الإنتخاب لأكثر من عامين، ولما كانت المفاجأة سيدة الموقف وكبيرة الى هذا الحد في التسوية الرئاسية، البعض في لبنان لم يصدّق ولم يستوعب ماذا جرى، والبعض الآخر باغته الحدث الرئاسي ولم يكن جاهزاً له.
وهذا ما يفسّر حالة الإرتباك العام وظاهرة التصويت بالأوراق البيضاء في انتخابات رئاسة الجمهورية، ولاحقاً حصول رئيس الحكومة المكلف على اصوات فاقت ما حصل عليه رئيس الجمهورية المنتخب بعدما بدأت تتضح معالم التسوية وشرع الجميع في التكيّف معها والإنتظام في صفها.
ولأن التسوية في لبنان حصلت بصورة مفاجئة وكانت خيوطها تُنسج بكتمان وهدوء على اعلى المستويات، احدثت هذا الإرباك العام، فسقط ضحايا من السياسيين وحصلت خسائر سياسية متفاوتة الحجم، وخاب امل البعض ولم تصح رهانات وقراءات كثيرين ممن لم يتوقعوا ولم يحسبوا تمرير تسوية لبنانية في الوقت الأميركي الضائع، وفي آخر ايام اوباما ومع دخول الولايات المتحدة في مرحلة انتقالية تمتد لأشهر.
هذه المرة لم تدع قوى لبنانية اساسية هذه الفرصة تفلت وتضيع، ولو تأخرت وقامت ادارة اميركية جديدة كان لبنان سيضيع في متاهات الترتيب الأميركي الجديد للسياسات والأولويات وكان عليه ان ينتظر دوره كي يأتي قابعاً في اسفل اللائحة.
في الختام لقد شاءت الظروف والأقدار ان تكون التسوية في لبنان آخر “انجازات” ادارة اوباما، وبالصدفة ومن غير سابق تصور وتصميم، فلنستفد منها لاخراج لبنان مما يتخبط به على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولنتطلع ولو لمرة واحدة الى مصلحة هذا الوطن وشعبه الذي عانى الآمرين.
دافيد عيسى
سياسي لبناني



