رنا اسطيح ـ الجمهورية
فيما يغرق المشهد الإعلامي المرئي بنوع من النمطية الرتيبة التي تلعب فيها الوجوه المكرّرة والموضوعات المستنزَفة دور البطولة المطلقة، تبدو بولا يعقوبيان دائمة الإصرار ضمن إطلالتها التلفزيونية في برنامج Interviews عبر شاشة «المستقبل» على قلب الطاولة وخلق فضاء مختلف للحوار، لتسليط الضوء على القضايا الفنّية والإنسانية والوطنية والسياسية الهادفة التي لا تحتلّ بالضرورة صدارة الاهتمامات الشعبية أو «تراندات» السوشال ميديا. هكذا تطلّ أسبوعياً مع جرعات مضاعفة من الشغف والحماسة لتقديم مواهب فنّية مستقلّة أو لإبراز نجاحات مهنية وإنجازات وطنية لا تخفق في منح منبرها الفرادة والهوية التي صنعت منها واحدةً من ألمع الإعلاميات اللبنانيات. ومع حملة «دفى» التي أقامتها للعام الثاني على التوالي تكرّس يعقوبيان توجّهها الإنساني الذي تمكّن الأحد الماضي من خلق مشهد يحبس الأنفاس أثبت رغم البرودة المهيمنة على الإنسانية التي باتت تراقب العالم من خلف شاشات الحواسيب الزجاجية أنه ما زالت هناك مساحة كبيرة للحب وعمل الخير.هكذا وبفضل أكثرمن 300 متطوّع ومتطوّعة في حملة «دفى» تمّ توزيع أطنان من المساعدات طالت مختلف المناطق اللبنانية. وإزاء هذا الإنجاز الجديد تقول بولا يعقوبيان في حديث خاص لـ «الجمهورية»: «شعوري لا يوصف بعدما أنجزت هذا الاستحقاق الذي يُشعر الإنسان أنّ لوجوده معنىً وهدفاً. هذا ما يمنحني إياه يوم حملة «دفى» بالذات، عندما أجد أنّ الناس نزلوا إلى الشارع ولبّوا النداء ليقولوا نحن شعب واحد ولسنا شعباً مقسّما ولسنا مكوّنات، هذه الكلمة البشعة التي أدخلوها إلى قاموسنا لتقسيمنا وتفتيتنا أكثر. اللبناني مكوّن واحد ومحب وكله عطاء وخلاّق وطيّب وعندما يُدعى إلى عمل الخير لا يلبّي وحسب وإنما يكون سبّاقاً ومبادِراً».
وتضيف: «لم يكن الأمر مجرّد مجموعة من الأشخاص الذين أحضروا بعض الثياب في كيس ومشوا في طريقهم، فقد كان هناك أشخاص بقوا معنا لا نعرف اسماءهم لا نعرف كيف نستطيع ان نشكرهم.
بقوا طوال اليوم يشاركون في عمليات توضيب التبرّعات وفرزها، هناك أشخاص سهروا إلى أواخر الليل وهم ليسوا حتى من المتطوّعين الذين يعلمون مباشرة مع حملة «دفى». ولهؤلاء بالذات مهما قلت إنني أشعر بالامتنان وإنهم من طينة نادرة ورائعة أبقى مقصّرة في حقهم. لا أدري كيف أشكرهم».
الدفى مقابل برودة المشاعر الافتراضية
وعن العمل على الأرض في مقابل النشاطات الكثيرة التي باتت في زمننا محصورة بالفضاءات الافتراضية تقول: «السوشال ميديا ساعدتنا كثيراً من دون شك ولكنها عوّدت الناس على النضال الكسول، فنكتفي بالتفاعل في العالم الافتراضي ونعتبر أننا مناضلون.
المطلوب أكثر من ذلك وأبعد منه. «صار بدها نزلة عالأرض» ليس فقط في حملة «دفى» وإنما في مسائل كثيرة في بلدنا تنفرّج عليها من دون الاتيان بأيّ تغيير، في المقابل عندما نكوّن رأيَ عام جيّداً وواعياً للقضايا المحقة نستيطع أن نكسر بعض الانماط السيّئة التي نعيشها. مثلاً العنصرية لا يمكن أن أقول لا للعنصرية وأضغط زرّ الإعجاب وأكتفي بذلك.
يجب أن أترجم ذلك بالمواقف والأفعال. ومن خلال حملة «دفى» لم يكن هدفي فقط أن أوصل مساعدة عينيّة وإنما أن أقول إنّ هناك اشخاصاً يشعرون مع الإنسان ويعتبرون الدفء حقّاً للجميع. وإذا كنا محظوظين أكثر من سوانا، فهذا لا يعني أنّ لدينا الحق بأن نأكل الكعكة كلها ولا نفكر في الآخر. وكنتُ أريد أن أوصل رسالة أخرى وهي «نحن نحبّكم».
فهناك أشخاص يقولون كلّ يوم للفقير «روح اشتغل» وإذا كان غير لبناني يقولون له «عُد إلى بلدك». ولكن في الحقيقة هناك أشخاص بيوتهم مهدّمة، حياتهم وأحلامهم وكلّ ما يملكون سوّي بالأرض ولا علاقة لهم بما يحصل وبالصراع الجاري. نرمي عليهم أحقاداً وكراهيات معيّنة من دون مقاربة واضحة لواقع الأمور.
صحيح نحن كلبنانيين تعرّضنا للظلم ولكن لا يجب أن نحمّل شعباً مسؤوليات لها علاقة بتاريخ مرير من الصراع ما بين أنظمة، فشعوب الشرق لم تحكم في عمرها أو تتحكّم ولطالما كانت محكومة من قوى أخرى».
فقراء من كلّ المناطق
وعن الفقراء المستفيدين من حملة «دفى» تقول: «حملة دفى هي لكلّ محتاج بلبنان من كلّ الأديان والجنسيات. ساعدنا كلّ المناطق وركّزنا في المساعدة على البيئات الحاضنة للجوء والنزوح. فقبل أن تحصل المساعدات الدولية كان سكّان هذه المناطق يقسمون اللقمة بينهم وبين المحتاج الذي أتى من خلف الحدود هرباً من ويلات الحرب. هؤلاء سبقونا كلنا على المساعدة وعلى الدفء.
لذلك عندما نقول لهم شكراً ونساعدهم فذلك لأننا مدركون أنهم سيستمرّون في المساعدة، لأنهم أساساً يحملون هؤلاء اللاجئين في قلوبهم وصاروا جيراناً وأخوة ونحن نقوم بالقليل مقارنة بما قامت به هذه البيئات الحاضنة التي هي أساساً مناطق فقيرة جداً سواءٌ في الشمال أو البقاع أو مختلف المناطق حيث ترتفع كثيراً نسبُ اللجوء والنزوح».
دعم المشاهير
وعن المشهد اللافت الذي استطاعت أن تخلقه حملة «دفى هذا العام بانضمام عدد كبير من المشاهير والشخصيات العامة إليها لدعمها، تقول يعقوبيان: «قمنا بدعوة الكثيرين بشكل شخصي، اتصلت بهم وشرحت لهم أنّ الحملة لا تأخذ مساعدات مادية وإنما فقط مساعدات عينيّة ولا نريد سوى أن تنشروا الكلمة وتساعدونا لنصل إلى أكبر عدد من الناس. وكما رأيتم لبّى النداءَ عدد كبير منهم .
وأشكرهم كثيراً لأنهم لبّوا النداء بكثير من التواضع والأخلاق. وأريد أن اقول لهم ما في أحلى من صورتكم عندما تشاركونها بعمل الخير ونشره. والجميع رأى إلى أيّ مدى الحاجة هي كبيرة وإلى أيّ حدٍّ كان تجاوب الناس كبيراً».
العمل في الشأن العام
وعمّا يمنع بولا يعقوبيان من دخول الشأن العام بشكل جدّي والانخراط في العمل السياسي، تقول: «أعتبر أنّ ما افعله مرتبط بالشان العام لاسيما عندما أرفع صوتي وأتحدّث عن قانون الانتخاب وأقول لهم عيب أن تقسمونا أكثر ويكفي ضرباً لوحدتنا ولو أنّ الواقع يقول إننا جماعة مذهبيون وطائفيون. فيجب معالجة ذلك وليس تكريسه وجعله نافراً أكثر وتربية أجيال على الطائفية والمذهبية.
وصلنا إلى تورّم خبيث كبير في هذا المجال. حان الوقت لأن نعكس الأمور ونقول للناس نحن شعب واحد فإذا كنا شعباً واحداً فقط يكون لدينا أمل بالقيامة والنهوض وفي أن يصبح بلدنا بلداً، وإذا كنّا مكوّنات لا نبقى»!
وتضيف: «لذلك أقول هذا عمل عام وهذا شأن عام. أما أن أترشّح على الانتخابات النيابية واضطر أن أغيّر قناعاتي لكي يصوّت لي الناس فأمر مرفوض فأنا أعرف أنني لست mainstream أو مع التيّارات السائدة التي تُعدّ أكثرية. أنا لا أعرف أن أعمل ما يريده الجمهور وأن أطبّل وأصفّق لأتمكن من مضاعفة شعبيّتي ومن حشد المصوّتين من خلال إسماع الناس ما يريدون سماعه.
للأسف تمّ التلاعب بعقول الناس والأكثرية تذهب باتجاه تبدية الحسابات المذهبية على الحسّ الوطني بعدما وعّوا فيهم الحسّ المذهبي بشكل كبير ولعبوا على غرائزهم. وأنا لستُ مستعدة أن أدخل بلعبة الغرائز والشعبوية من أجل دخول الحياة السياسية، بل أنا أقاتلها وأحاربها وأنبذ كلّ شخص يتعاطى هذه اللعبة وسابقى كذلك».
مناضلة عكس التيار
وعن توجّهها الذي يعادي المشهد العام في المواقف وفي الإعلام تقول: «ماشية عكس التيار وأحيانا يقولون لي لا تندهي فما من مجيب ولكنني مصرّة «إنو بعد في حدا». هناك أشخاص يرغبون بسماع أمور مختلفة. لسنا جميعاً عنصريّين ونكره الغريب،
و لو أنّ هناك صعوداً لليمين المتطرّف في أوروبا ولو أنّ العالم كله يتقوقع، نحن دورنا ووجودنا ومكاننا هو أن نكون شعباً واحداً. وهذا الكلام ليس طوباويّات. فبغير وحدتنا مستحيل أن نستمرّ. وما من بديل، لأنه لو كان باستطاعتهم تقسيم لبنان لكانوا قسّموه من زمان.
وبما أنه بلد لا يمكن تقسيمه عليكم أن تساهموا في وحدته، اخلقوا مصلحة مشترَكة للناس ليعيشوا ويتنفسوا. هذه رسالتي التي سأبقى أحارب من أجلها والسبب بسيط: لا أعرف ولا أحب أن أعيش غير في هذا البلد. أينما ذهبت حول العالم، أشعر بحاجة للعودة إلى بيروت. هنا أستطيع أن أتنفّس.
هنا حياتي وعمري ومكان ولادتي والمكان الذي أريد أن أموت فيه. في الخارج أموت. أشعر بغربة عن ذاتي. وهذا ليس كلاماً فقط فقد حاولتُ سابقاً الابتعاد، قرفت وهربت وقلت مثلي مثل كلّ المغتربين وضبّي الشنط وإلى واشنطن در. ولكنني أعدتُ عائلتي وعدتُ إلى هنا لأنّ لديّ إيماناً كبيراً في أننا قادرون على التغيير وأننا كشعب لم نمت بعد»!



