دوللي بشعلاني – الديار
صحيح أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قد أبلغ مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين جابر الأنصاري عندما زاره في قصر بعبدا في 22 آب الماضي عزمه على تلبية الدعوة الرسمية التي كان تلقّاها من نظيره حسن روحاني للقيام بزيارة رسمية الى طهران، وقيل يومها أنّها ستحصل في شهر تشرين الاول الجاري، غير أنّ أوساطاً سياسية مواكبة أكّدت أنّ زيارة الرئيس عون الى إيران مؤجّلة حالياً لاعتبارات عدّة.
فبعد أن عاد الصراع بين فريقي النزاع في لبنان الى سابق عهده لا سيما مع الحديث عن إمكانية بسط إيران لنفوذها في سوريا والدفع في اتجاه التطبيع معها، فإنّ الرئيس عون في ظلّ هذه الأجواء المتوتّرة لن يُقدم على أي خطوة ناقصة تجعله طرفاً أو موضع انتقاد من فريق سياسي معيّن في البلد، فيما هو «بيّ الكلّ» وسيبقى كذلك حتى آخر يوم من عهده، وإن كان كلّ مكوّن سياسي يطمع بأن يكون الرئيس واقفاً في صفّه.
وما يهمّ الرئيس عون في هذه المرحلة التي انتصر فيها الجيش اللبناني على الإرهاب، على ما شدّدت، هو الحفاظ على التوازن القائم في البلد منذ انتخابه رئيساً وتشكيل حكومة المصلحة الوطنية برئاسة سعد الحريري، وأن تبقى الوحدة الوطنية الداخلية بالتالي في مقدّمة الأولويات لدى جميع القوى السياسية. وعلى هذا الأساس يتصرّف في الداخل، كما مع دول الخارج حفاظاً على التهدئة التي تعيشها البلاد منذ انتخابها.
علماً أنّ الولايات المتحدة الأميركية ما زالت تسعى الى تشديد العقوبات على طهران، كما على «حزب الله» في لبنان وذلك من باب التقليل من أهمية ما قامت به المقاومة من تحرير لجرود عرسال من التنظيمات الإرهابية بالتعاون والتنسيق مع الجيش والأجهزة الأمنية. كما لا تزال تعتبر الحزب منظمة إرهابية وتضعه على اللائحة السوداء الى جانب جميع التنظيمات الإرهابية، رغم أنّ الفارق كبير بينه وبينها، غير أنّها ترفض الإعتراف بذلك.
وتقول الأوساط نفسها بأنّ موعد زيارة الرئيس الى إيران لم تُحدّد رسمياً بعد، رغم أنّها ضرورية وستجري في أوانها. وبحسب رأيها فإنّها لن تحصل في الشهر الحالي ولا في تشرين الثاني المقبل. كما أنّها لم تؤجّل لكي يتمّ تقديم زيارة الرئيس الى الكويت عليها، إذ أنّ هذه الأخيرة لن تجري حالياً أيضاً في ظلّ عدم موافقة الكويت على أوراق اعتماد السفير ريّان سعيد الذي عيّنته الحكومة في التشكيلات الديبلوماسية الأخيرة، بحجة أنّه من الطائفة الشيعية، ولهذا طالبت بتعيين سفير آخر من الطائفة السنية.
في الوقت نفسه، فإنّ زيارة الكويت أو أي دولة أخرى من دول الخليج، التي قيل أنّها ستتقدّم على زيارة إيران لن تحصل حالياً في ظلّ الوضع الداخلي الحرج الذي تشهده البلاد، والاوضاع الإقليمية الدقيقة والحسّاسة وغير المحسومة النتائج والتوجّهات من قبل دول الجوار كافة.
علماً أنّ الزيارة الأولى للرئيس عون الى الخارج بعد انتخابه رئيساً للبلاد، كانت للمملكة العربية السعودية وكان من شأنها وقتذاك إبعاد تهمة جنوح الرئيس الى فريق 8 آذار والى «حزب الله» تحديداً كونه وقّع ورقة تفاهم معه يوم كان رئيساً للتيار الوطني الحرّ. غير أنّ هذه الزيارة التاريخية، على أهميتها، لم تؤتِ أي من الثمار التي كانت متوقّعة منها. حتى أنّ الهبة العسكرية السعودية بقيمة ثلاثة مليارات دولار (ونصف مليار المتبقي من هبة المليار الفورية التي حملها الحريري بنفسه وعاد بها الى البلد بعد طول انقطاع) للجيش اللبناني المجمّدة والتي عادت الى القوّات السعودية لم يتمّ تحريكها أو الاستعاضة عنها بهبة أخرى.
واليوم ما يريده الرئيس عون هو وقف الكباش الحاصل بين مؤيّدي ومناهضي إيران وسوريا في لبنان على خلفية ضرورة التطبيع مع سوريا بهدف التفاوض معها من أجل تسهيل عودة النازحين السوريين الى بلادهم أولاً، ورفض هذا الأمر من الفريق السياسي المناهض لها، واللجوء عوضاً عنه الى الامم المتحدة لمساعدة لبنان على تحقيق هذه العودة كون النزوح السوري بات يُشكّل عبئاً كبيراً على الدولة اللبنانية. فضلاً عن الحديث أيضاً عن ضرورة التطبيع من أجل تصريف الإنتاج الزراعي ثانياً، ولكي يحصل لبنان بالتالي على حصته من مسألة إعادة إعمار سوريا بعدما تمّ التوافق المبدئي على وقف إطلاق النار في محافظات عدّة فيها، تمهيداً للتوصّل الى الحلّ السياسي الشامل للأزمة السورية.
من هنا، فإنّ أي زيارة حسّاسة للرئيس الى دول الخارج، على ما أكّدت الأوساط نفسها، لن تحصل حالياً، من زاوية أنّ المصلحة الداخلية اللبنانية هي الأهمّ، وأنّ التسوية السياسية التي جرت في أواخر تشرين الأول من العام الماضي لن يقوم رئيس الجمهورية نفسه بزعزعتها، إنّما بالحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة من عهده.
كما أنّ الرئيس عون يلتزم بشكل مطلق بمضمون خطاب القسم الرئاسي، لا سيما فيما يتعلّق بإبعاد لبنان عن صراع المحاور، وتحييده عن النزاعات الخارجية الحاصلة حالياً، وهو أمر يحظى بإشادة دولية وثناء من قبل دول عدّة في الخارج نظراً لحرصه على سياسة النأي بالنفس عن كلّ ما يجري من حوله بهدف الحفاظ على الأمن والإستقرار في البلد.
وفيما يتعلّق بما يجده البعض ضرورة في المرحلة الراهنة، ألا وهو التطبيع مع سوريا الذي تدعو اليه دول خارجية عدّة وعلى رأسها روسيا، فإنّه موضوع يجب أن يُثار في إحدى جلسات مجلس الوزراء للتوصّل الى موقف موحّد بشأنه، على ما ترى، وإن كان الرئيس الحريري لا يزال يتمسّك بعدم الخوض في المواضيع الخلافية داخل المجلس حفاظاً على التسوية التي جرت منذ نحو سنة، ولا يزال يبذل قصارى جهده للإلتزام المستمرّ بها.



