| أجرى الحوار: حسان الحسن- لطالما شكّلت سورية محطّ اهتمام المحللين والمراقبين الدوليين والإقليميين، نظراً إلى دورها الاستراتيجي والمحوري في المنطقة ككل، وتأثيرها تالياً على مجريات الأمور عربياً وإقليمياً ودولياً.فالتطورات الأخيرة في سورية، وقبلها في تونس ومصر وليبيا، جعلت الأنظار تشخض بقوة إلى المنطقة ككل، وتحديداً إلى سورية؛ إحدى أبرز دول الممانعة، وفتحت الباب على مصراعيه أمام التحليلات والقراءات التي تلامس بغالبيتها الرأي السياسي أكثر منها قراءة موضوعية وواقعية وعلمية لخلفيات التطورات وأبعادها، فيما الحاجة أكثر من ماسة إلى مثل هذه الدراسات التي تستند إلى التاريخ والجغرافيا قاعدة، فتستقي منهما الدروس والعبَر وتعكسهما على الحاضر الذي يؤشر إلى صورة المستقبل.هذه الصورة البانورامية بين وقائع التاريخ والجغرافيا وتطورات الحاضر والمخططات الغربية للمستقبل، يرسمها بدقة الباحث الاستراتيجي والدكتور في العلاقات الدولية جمال واكيم، في دراسة تخوض في عمق المؤشرات والتطورات، وتبتعد عن "زواريب" المواقف السياسية الضيقة، وفي ما يأتي تفاصيل هذه الدراسة - القراءة.تتأثر سورية تاريخياً بثلاثة نطاقات جيوسياسية، وهي: بلاد ما بين النهرين، وبلاد الأناضول، ومصر، لأن المنطقة الشرقية من سورية هي امتداد لبلاد ما بين النهرين، والمنطقة الشمالية هي امتداد لكيليكيا، والمنطقة الجنوبية هي امتداد للأمن القومي المصري، الذي يبدأ في سيناء مروراً بفلسطين، ويصل إلى مدينة دمشق.إضافة إلى أن المنطقة الجنوبية - الشرقية من سورية مفتوحة دائماً على تأثيرات آتية من شبه الجزيرة العربية، لأن البادية السورية تشكل امتداداً لهضبة نجد.تُعتبر سورية منذ فجر التاريخ عقدة المواصلات العالمية، فطريق التجارة الآتية عبر المحيط الهندي وصولاً إلى الخليج العربي وبلاد ما بين النهرين، كان تعبر نهر الفرات ودجلة وتصل إلى منطقة الفرات الأعلى، التي تمتد اليوم بين تركيا وسورية، وتصل إلى البحر المتوسط.والطريق الأخرى كانت تبدأ من الهند، مروراً بالبحر الأحمر والحجاز، وصولاً إلى داخل سورية، أو ساحلها وتمتد نحو أوروبا، وهناك طريق بريّة تبدأ من الصين وتعبر في شمال سورية.هذه الجغرافيا جعلت سورية عرضة دائماً لتأثيرات آتية من النطاقات الجيوسياسية المذكورة، إضافة إلى تأثيرات أخرى آتية من شبه الجزيرة العربية.أما السؤال المطروح راهناً: كيف يمكن تطبيق هذه النظرية على ما يحدث اليوم في سورية؟بعد استقلال سورية، تكوّنت الجمهورية العربية السورية، وهي كيان سياسي حديث لم يكن موجوداً في التاريخ، وكانت سورية منذ بدء تكوينها عرضة للااستقرار، بحكم تأثرها بالنطاقات الثلاثة المذكورة آنفاً، وهذا ما يفسّر الانقلابات التي كانت تحصل في خمسينيات وستينيات القرن الفائت.لكن مع وصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم تغيّرت المعادلة، فأمسك بالداخل السوري، أي بمدينة دمشق، مستعيناً بالجهاز الأمني من أجل تثبيت الحكم وقلب المعادلة السابقة، فبدلاً من أن تتأثر المنطقة الشرقية بالعراق، أصبحت سورية تؤثر في العراق، وكذلك الأمر بالنسبة للمنطقة الساحلية التي كانت تتأثر بكيليكيا، فأصحبت تؤثر في تركيا، وهذا ما ينسحب أيضاً على المنطقة الجنوبية، عبر عقد تحالفات بين الأسد وبعض الفصائل الفلسطينية واللبنانية والتأثير في السياسة الفلسطينية واللبنانية، وبالتالي التأثير في سياسة المنطقة ككل، فأصبح هناك معادلة جديدة أصحبت من خلالها "السياسية السورية فاعلة وليست منفعلة".مؤخراً طُرح مشروع أميركي لمنطقة الشرق الأوسط، وهناك ضرورة للولايات المتحدة للسيطرة على هذه المنطقة، لتحديد مكاسب عدة:أولاً: الهدف الجيوسياسي: أي معادلة السيطرة على المنطقة ورسم سياسات معينة مع دول أخرى عبر السيطرة المذكورة.فبالنسبة للولايات المتحدة، السيطرة على منطقة الشرق الأوسط الممتدة من شمال إفريقيا والمحيط الأطلسي وحدود الصين، بما فيها باكستان وأفغانستان، تعطي الولايات المتحدة اليد الطولى في تحديد علاقاتها الدولية مع الدول المنافسة، أي أوروبا وروسيا والصين واليابان.وبالنسبة إلى أميركا أيضاً، فإن إحكام السيطرة على المنطقة يمكنها من الفصل بين أوروبا وإفريقيا من جهة، وأوروبا وروسيا من جهة أخرى، ومنعها من الوصول إلى البحر المتوسط والمحيط الهندي.كذلك تمنع السيطرة على هذه المنطقة الصين من الوصول إلى المتوسط، الذي يشكل عقدة المواصلات العالمية منذ فجر التاريخ، كذلك تمنعها من تحقيق اختراقات في إفريقيا.وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، بدأ الأميركيون منذ تسعينيات القرن الفائت بالتجهيز للاستراتجية الكبرى، كلاعب الشطرنج الذي يجهز حجاره قبل الهجوم، وبدأت بالتنفيذ مع وصول جورج بوش الابن في العام 2001 إلى الحكم، من خلال الحرب على أفغانستان، تحت ذريعة الرد على الهجوم الذي تعرضت له في 11 أيلول 2001.لماذا أفغانستان؟لأنها تضع الولايات المتحدة على الحدود الغربية للصين، وعلى مقربة من سيبيريا، والتي تشكل الحديقة الخلفية لروسيا.أما ضرب العراق فكان وفق حساباتهم، وسيحدث صدمة بما سمته كوندوليزا رايس الفوضى الخلاقة، وإعادة رسم جغرافية المنطقة بأقل التكاليف الممكنة، غير أنها لاقت مقاومة لهذا المشروع من أطراف عدة.ونتدرج بتسمية هذه الأطراف؛ إيران كقوة إقليمية عظمى وكنقطة تقاطع روسية - صينية، وبالتالي كانت إيران داعمة للمقاومة العراقية التي كبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة، وسورية كقوة عظمى، لأنها تتوسط ثلاث قوى عظمى، تركيا والعراق ومصر من الناحية الجيوسياسية.فالرئيس حافظ الأسد نسج علاقات مع مختلف القوى العالمية، وكان عندما يختلف مع دولة معينة يعتمد في مواجهتها على دولة أخرى، فلم يقع في تاريخه تحت الهيمنة السوفياتية كما كانت دول أوروبا الشرقية، وكان في الوقت عينه ... |
