فاروق الشرع يتذكر الأسد.. هذه سيرة قائدي

16:172015/03/20
A
|
A
|

فاروق الشرع



ناهض حتر – صحيفة الأخبار


أهمّ ما يكشف عنه نائب الرئيس السوري، وزير الخارجية الأسبق، فاروق الشرع، في مذكراته، هو آلية صُنع القرار في عهد الرئيس حافظ الأسد. في الواقع أن الشرع لا يتذكر سيرته، بقدرما يتذكر سيرة قائده، بل يمكن القول إنه يتذكّر سيرة لا ذاتية، بالنسبة لهما معاً. لا يدعي الشرع أكثر من الممارسة الذكية والمهنية والحازمة لسياسات رسمها الرئيس. تدخلات الشرع، كما يرويها بنفسه، محدودة للغاية، تتمثّل في إعلانه، من دون استشارة المركز، عن مواقف يعرف، بصورة لا لُبس فيها، أن الأسد سيتخذها.


ولكن هذا التعبير يظل ناقصاً. هنالك شيء يمكن تخيّله عن العلاقة بين الأسد والشرع، أنها كانت علاقة تواصل تلباثي؛ كان الشرع يفهم الأسد، بلا رتوش أو قراءة ذاتية أو محاولات للالتفاف، وكان الأسد يثق بالشرع، ويقدّر ذكاءه ومهنيته وقدرته على تلافي ارتكاب الأخطاء. وفي سياق هذه العلاقة، كان للشرع هامش مهني للمبادرة وتقديم الاقتراحات، حتى تلك التي يعرف أن قوى أساسية في النظام لا تستسيغها. منها، مثلاً، اصراره على إدامة العلاقة مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. كان الشرع، كالأسد، عديم الثقة بعرفات «الذي يغرق في التكتيكات على حساب الاستراتيجية»، وكان يتمنى لو أن الرجل اختطّ طريق نلسون مانديلا، بدلا من خط المناورات (ص 124)؛ لكنه، بالمقابل، رفض القطيعة معه، وعمل، دائماً، على اقناع قائده، لا بتغيير التقييم السوري للزعيم الفلسطيني، وانما باستمرار التواصل معه. ووراء ذلك أن الشرع، على خلاف مسؤولين آخرين، كان يرى اللوحة من خارج سوريا، ويسعى إلى سدّ الثغر في صورة الدبلوماسية السورية.

على كل حال، فإن آلية صُنع القرار في السياسة الخارجية السورية، كما تتضح في مذكرات الشرع، سلسة للغاية، لم تنطوِ ، كما يقدّر كثيرون، على تعقيدات غامضة أو أسرار مقدسة أو مفاجآت؛ فهي تقوم على ثلاثة أسس مترابطة، هي: أولاً، التمسّك، في كل الظروف، وفي مواجهة أقسى التهديدات، بثوابت استراتيجية محددة وراسخة ومقدسة ولا يمكن التزحزح عنها، (راجع الجزء الأول من هذا المقال، «الأخبار»، 18 آذار 2015)، ثانياً، المتابعة الشديدة الحساسية لمتغيرات موازين القوى الدولية والإقليمية، والتعاطي معها في حدود الثوابت الاستراتيجية. ثالثاً، الاحتراف المهني؛ فليست الدبلوماسية هي التي تحدد الثوابت، ولا هي التي تصنع البدائل في مواجهة المتغيرات، وإنما تعبّر عن هاتين العمليتين بأداء مهني رزين وشجاع.

يوضح ذلك جيداً القسم الأخير من مذكرات الشرع، أي المتعلق بعملية السلام من مؤتمر مدريد 1991 وحتى لقاء كلينتون ـــ الأسد في جنيف العام 2000 ( ص223 ــــ 458). لدينا، هنا، نحو عقد كامل من المفاوضات، كان السوريون مضطرين للانخراط فيها بالنظر إلى انهيار الاتحاد السوفياتي ومأساة العراق، ولكنهم تمسكوا، خلالها، بالثوابت الآتية: أولاً، دعم المقاومة في لبنان وفلسطين وتعزيز العلاقات مع إيران والاستمرار في بناء القدرات الدفاعية. ثانياً، تفعيل الدبلوماسية لحماية المقاومة وتأكيد شرعيتها، كما حدث في ابرام «تفاهم نيسان» 1996. ثالثاً، الاصرار على التفاوض مع العدو، كعدوّ، وعلى أساس موقف عربي موحد، ووفق هدف واضح هو استعادة الحقوق على جميع المسارات في الآن نفسه، ورفض الحل على المسار السوري إلا بعد اقرار الحل على المسارات الأخرى. وحين استسلم النظام الفلسطيني، ومن بعده النظام الأردني، للشروط الإسرائيلية، ظلت سوريا تلح على ربط المسارين، السوري واللبناني. رابعاً، تجنّب التورط في علاقات تبعية للولايات المتحدة. فخلال عقد من العلا



على مدار الساعة
على مدار الساعة
اشترك بالنشرة الاخبارية للموقع عبر البريد الالكتروني