لا تزال سياسة الاقصاء المنتهجة في دار الفتوى بحق الاعضاء المحسوبين على فريق المفتي السابق محمد رشيد قباني مستمرة، وليس آخرهم مدير عام الاوقاف الاسلامية الشيخ هشام خليفة الذي تبلّغ قرار الابعاد، لحين ايجاد شخص آخر يتولى المنصب. ولانّ الاخفاقات تتوالى فصولاً ردت مديرية الاوقاف بالامس طعناً قدمه المهندس زكريا الكعكي اعتراضاً على فوز شخص من غير الملاّكين في مجلس اوقاف بيروت عن فئة الملاكين.
مسألتان تشكلان اليوم محور أحاديث رجال الدين والموظفين في الدار، يُضاف اليهما انشغال عدد من اهل الدار بتداول وثائق تسربت الى اشخاص، تتمحور حول برقيات نُشرت بواسطة “ويكيليكس” من السفارة السعودية الى وزارة الخارجية في الرياض، فيها تحريض واضح على المفتي قباني من خلال جملة من العبارات التي تناولت شخص المفتي على نسق “انه أصبح أكثر تأثراً ببعض عملاء سورية العاملين في دار الفتوى”، وبأنّ “جل الانتقادات كانت توجه في السابق الى المفتي من قبل الرئيسين عمر كرامي وسليم الحص بالتلاعب بأموال الاوقاف ودار الفتوى”.
ثلاث وثائق
ينقل لنا مصدر من دار الفتوى على اطلاع بكامل الملف، ما تضمنته الوثائق حرفياً، ويعود تاريخها الى العام 2012- ونحصل على نسخ منها-اي عندما اشتدت الحرب النفسية بين المفتي قباني وتيار “المستقبل”، نتج عنها معركة بفصول مستعرة، كان نتاجها تسوية مصرية أخل الفريق المحسوب على التيار الازرق ببنودها، بشكل أُقصي من خلاله فريق بأكمله عن سير العملية الانتخابية ولجهة حل المجلسين الشرعيين، بشكل سيطر “المستقبل” على المجلس الاسلامي الشرعي الذي سيكون منوطاً بدور تعديل المرسوم الاشتراعي رقم 18، ومن شأنه تقليص صلاحيات المفتي وزيادة نفوذ المجلس الشرعي بما يتلاءم مع سياسة التيار الازرق.
بالعودة الى الوثائق التي تم نشرها، فهي تنقسم الى ثلاثة اقسام، يتعلق الاول بالمفتي قباني تحديداً، ويتمحور الثاني حول عمل المجلس الاسلامي الشرعي السابق، فيما نتحفظ عن ذكر تفاصيل عن الوثيقة الثالثة لانّها ترتبط باحدى الشخصيات المقربة من قباني، وكان يعمل في دار الفتوى سابقاً، بحيث يقوم الاخير بدراسة سيتوجه اثرها بتقديم دعوى امام المحاكم الدولية الخاصة على ما تسرب عن شخصه، وخصوصاً لما له ارتباط بتلفيق التهم التي قد تؤدي الى التهديد المباشر لحياته، وكان قد تعرض سابقاً على خلفية هذه الوثيقة الى ضغوطات ليس آخرها توقيفه في مطار الاردن وسحب جواز سفره لحين مقابلة رئيس الاستخبارات الاردنية واستجوابه في أمور كانت تتعلق بالدار وبعلاقته بالمفتي قباني.
سياسة الاقصاء
امّا في ما يختص بالوثيقة المرتبطة بالمجلس الاسلامي الشرعي، فكان أن أرسلت السفارة السعودية في بيروت، الى وزارة الخارجية في الرياض برقية سرية تناولت “تهماً” بحق المجلس باعتبار ان هناك تلاعبًا في اموال الدار وضربًا لمصالح اهل السنة. امّا البرقية والتي وصفتها المصادر بـ”الفضيحة التي تطال المملكة العربية السعودية” فارتبطت بالمفتي السابق محمد رشيد قباني، ويمكن ربطها بمجمل سير الاحداث التي لحقت تلك الفترة من تشجنات وخلافات بين ابناء الطائفة الواحدة، والمس بموقع مفتي الجمهورية من خلال استمرار سياسة التجييش، وحجم التداعيات السلبية التي لحقت باللبنانيين اثر تلك الخلافات التي تخطت مجرد الخلاف ضمن المذهب الواحد. ويرد في الوثيقة التي حملت الرقم 208 7 2 255، بتاريخ 143349، من السفارة السعودية بيروت الى الخارجية في الرياض، ما حرفيته “توترت الامور داخل المجلس الاسلامي الاعلى بين المفتي محمد رشيد قباني واعضاء المجلس، بعد أن أصر المفتي على اجراء انتخابات خلال هذا الشهر لاختيار اعضاء المجلس، وهو أمر رفضته زعامات سنية خشية أن يتيح اجراؤها في هذا الوقت الفرصة لسورية وحزب الله التأثير في نتائجها بما يجعلهم يتحكمون في المجلس”. ونقرأ ايضاً: “في السابق كان جل الانتقادات الموجهة الى المفتي تأتي من قبل الرئيسين عمر كرامي وسليم الحص بالتلاعب بأموال الاوقاف ودار الفتوى، ثم تدهورت علاقته بتيار المستقبل بعد تقربه من حزب الله وبعد ان أصبح أكثر تأثراً ببعض عملاء سورية العالمين في دار الفتوى… وفي محاولة لحل الاشكال طلب الرئيس نجيب ميقاتي من المفتي تأجيل قرار الانتخابات، واجتمع الرئيس ميقاتي بروساء الحكومات السابقين للتداول حول ما يجري، وخلصوا الى التوافق على ادخال تعديلات على القانون الذي ينظم دار الفتوى ودعوة المفتي الى تشكيل لجنة لهذا الغرض”.
عتب
يعتب كثيرون من المقربين وغير المقربين من المفتي قباني على طريقة التعاطي بهذا الاسلوب مع مفتٍ له منصبه كمفتٍ على الجمهورية، فهناك حقوق أضاعها القائمون على الطائفة السنية، “فهل يُعتبر المفتي منهم فقط لمخالفته رأي فريق سياسي محدد؟”. وفي هذا الاطار، يعلّق نائب رئيس المجلس الاسلامي الشرعي السابق الحاج ماهر صقال في حديث لـ”البلد”، مبدياً عتباً على المملكة العربية السعودية والسفارة، “كان من الاجدى على السعوديين على الارض في لبنان أن يستمعوا الى الطرفين، لا أن ياخذوا موقفا واحدا ويستمعوا لفريق دون آخر، فكيف يكوّنون بذلك قناعاتهم ويأخذون مواقف، فلو استمع السعوديون الينا لكانت حتماً ستتغير مجريات الاحداث لمصلحة الطائفة السنية”.
ويستغرب صقال تلك الوثائق الصادرة عن المملكة، “نأسف ان كانت الامور تُحتسب على هذه الشاكلة، ونقول دائما ان دور المملكة هو الحاضن ولا يزال، وكان يُفترض بالسفير كونه غيورا على شؤون الطائفة السنية أن يستمع الى الفريق الاخر، وخصوصاً انه ورد كلام معيب بحق الدار والمجلس واشخاص عاملين فيه، اضافة الى المفتي، كأن يتم الحديث عن تلاعب باموال دار الفتوى او الاشارة الى اشخاص بانهم عملاء الى سورية”.
وفي سياق آخر، نذكر ان مديرية الاوقاف ردت امس، الطعن المقدم من قبل المهندس زكريا الكعكي اعتراضاً على فوز المحامي عمر اسكندراني عن فئة الملاكين في مجلس اوقاف بيروت، وهو من غير الملاكين، بعد أن قدّم الاول وثائق تثبت ذلك، الاّ انّ الرد أتى تحت ذريعة “ليس هناك من مشكلة طالما انّه نال عدداً من الاصوات”، وهو ما يشكل بالنسبة الى مصادر مطلعة تزويراً سافراً يطال كل دار الفتوى.
* البلد
