مخزومي: نراهن على الجيل الجديد للنهوض بلبنان

11:432016/07/11
A
|
A
|

فؤاد مخزومي

إذا كان الحديث عن رجالات بيروت المرموقة والمحبوبة شعبيّاً والتي تحمل هموم الشباب اللبناني، فلا بدّ من ذكر المهندس فؤاد مخزومي، وإذا كان الحديث عن الأيادي البيضاء والجمعيّات الخيريّة والعطاء ومساعدة الناس في مدينة بيروت، فلا بدّ من التوقّف عند مؤسّسة مخزومي، وإذا كان الكلام عن العمل الوطني السياسي الذي يسعى إلى تأمين ودعم الخدمات العامّة فإنّه لا يحلو إلا مع ذكر “حزب الحوار الوطني”، وإذا تكلّمنا عن قطاع الصناعة وعن مجالات الاستثمار في لبنان فإنّ شركاته أيضاً رائدة في هذا المجال بدءاً من “مجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب” وهي أحد أكبر المصنعين في العالم لأنظمة أنابيب الفيبرغلاس، وصولاً إلى مجموعة ENOIA الضليعة في مجال الخدمات الهندسية والناشطة في أربع قارات…

“المغترب” التقت رئيس حزب الحوار الوطني، صاحب شركة “أمن المستقبل” و”مؤسّسة مخزومي” المهندس فؤاد مخزومي، وتحدّثت معه عن أبرز نشاطاته ومشاريعه الخيريّة والاستثماريّة وعادت باللقاء التالي:

يعرّف مخزومي عن نفسه في بداية حديثه لـ “المغترب” بأنّه “بيروتي قح”، فهو من مواليد بيروت- كورنيش المزرعة عام 1952، ويعتبر أنّ “مصطلح “بيروتي” لم يصبح نوستالجيا وعلينا إعادة إحيائه”. ويضيف: “تخرّجت في مدرسة International College عام 1971، وقرّرت التخصّص في مجال الهندسة الكيميائيّة، فسافرت إلى ولاية “ميتشيغن” في أميركا، حيث نلت شهادتَي “الديبلوم” والدراسات العليا خلال عامَين ونصف العام فقط، وعدت إلى لبنان بحثاً عن عمل، لكنّني لم أوفّق بسبب الحرب الأهليّة التي كانت مندلعة في ذلك الحين، فانتقلت إلى المملكة العربيّة السعوديّة، وهناك تعرّفت إلى أصحاب مصانع الأنابيب، حيث أصرّ عليّ أحدهم أن أخوض العمل في هذا المجال كتجربة لمدّة وجيزة، مع العلم أنّ صناعة الأنابيب لم تكن من ضمن تطلّعاتي أبداً كوني مهندساً كيميائيّاً. وما بدأناه كتجربة خلال شهر أيلول من العام 1975، أصبح اليوم أكبر شركة أنابيب بمادّة “الفايبر غلاس” على الصعيد العالمي. ونحن اليوم منتشرون في 17 بلداً في العالم، ننتج الأنابيب، ونمتلك خمس شركات هندسيّة في بلدان مختلفة. سوقنا تمتدّ في أكثر من 50 بلداً ونفخر بأنّنا بدأنا كمجموعة لبنانيّة وأصبحنا اليوم مجموعة عالميّة تمتلك واحداً من أهمّ ثلاثة أسماء في العالم”.

وأردف مخزومي قائلاً: “في العالم 1992، عدت إلى لبنان لترجمة النجاح الذي حقّقته في الخارج، وأسّست شركة “أمن المستقبل” التي يعمل فيها اليوم أكثر من ألف موظّف، وهي كانت حاضنة للشباب العاطلين عن العمل بُعيد انتهاء الحرب الأهليّة. بعدها، أسّسنا مصنع “أنابيب المستقبل” في عكّار وبدأنا بتصدير الأنابيب إلى دول الخليج، لكن لسوء الحظ فإنّ الأنظمة اللبنانيّة لا تشجّع على الاستثمار في الصناعة، ويجب أن تشمل الرعاية السياسيّة المستثمرين وإلا فإنّهم لن ينجحوا. وبعد 17 عاماً، وبعد العام 2005، أُقفل المصنع نتيجة قرار سياسي قضى بمنع شركة أنابيب المستقبل من تعهّد أي مشروع”.

وتابع مخزومي قائلاً: “في العام 1996، ومع بدء الفورة التكنولوجيّة، تعهّدت بتدريب طلاب المدارس الرسميّة على الكومبيوتر، ومن أجل إنجاح هذا الهدف كان ضرورياً العمل لرفع مستوى اللغات الأجنبيّة عند الطلاب. وهذا ما حصل حيث فاق عدد الأشخاص الذين تمّ تدريبهم ونالوا شهادات الـ120 ألف لبناني حتّى اليوم. بعدها بدأنا العمل في مشروع منح القروض الصغيرة، ما ساهم في تأسيس أكثر من 8,500 مؤسّسة صغيرة، إضافة إلى ذلك، عملنا بالشراكة مع الأمم المتّحدة على إغاثة اللاجئين السوريين. باختصار فإنّ هدفنا هو تخفيف وطأة المشاكل التي تُثقل كاهل اللبناني وكي لا يشعر أنّ مشاكل العالم كلّها تجد لها حلولاً في لبنان باستثناء مشاكله”. وأكد أن “مؤسسة مخزومي” “تمكنت منذ إنشائها عام 1997 من تقديم أكثر من 2.5 مليون خدمة لـ660 ألف شخص من خلال برامجها المنوعة. إذ قدمت حوالى 400 ألف خدمة صحية بالتعاون مع وزارة الصحة، و300 ألف خدمة في برنامج التنمية، و650 ألف خدمة من وحدة الإغاثة والخدمات الانسانية، وأكثر من مليون خدمة انسانية”.  

وعن جمعية “بيروتيات” لفت إلى أن هذه الجمعية التي تم إطلاقها مؤخراً “تهدف إلى حشد اللبنانيين من أجل تحقيق مصلحة عاصمتهم. إذ تهدف بشكل أساسي إلى إنشاء رابط في ما بين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم ضمن فسحة حياة يحلو العيش فيها”.

وعن منتدى الحوار الوطني، أشار إلى أنه “يقود اليوم النقاش الدائر حول الثروة الوطنية الناشئة في البلاد، وهدفنا التسريع في ترسية عقود النفط ومقاربة التفاصيل الشائكة المتعلقة ببرامج النفط والغاز، إلى جانب إنشاء صندوق سيادي تستفيد منه الأجيال القادمة. وفي هذا السياق، عقدنا في نهاية الشهر الماضي المنتدى السنوي الثالث للنفط والغاز في المدرسة العليا للأعمال ESA، إلى جانب مؤتمرات ومحاضرات وورشات عمل في جامعات مختلفة لقيت الكثير من النجاح”.

في ما خصّ مناخ الاستثمار في لبنان، يعتبر مخزومي أنّه حالياً في وضع سيّئ ويقول: “لم يعد باستطاعة حكومات العالم كافّة التكفّل وحدها بإنشاء وصيانة البنى التحتيّة في بلدانها بشكل منفرد، لأنّ كلفة الاستثمار أصبحت مرتفعة، والطريقة الأمثل لحلّ هذه المعضلة تكمن في عزل الخدمات العامّة عن المصالح السياسيّة الضيّقة التي ترفض إيجاد أي حلول أو إجراء أي تطوير من دون أن تخضعه للمحاصصة، وذلك يتمّ عن طريق الشراكة بين القطاعَين العام والخاص، وهي شراكة شبيهة بتلك التي نجدها في دول الخليج على صعيد قطاع الكهرباء والمياه والاتصالات وغيرها”…

وفي ما خصّ الإجراءات التي من شأنها الحدّ من تأثير السياسة على الاقتصاد، يثير مخزومي نقطتَين “الأولى هي الحكومة الالكترونيّة، ولنا إمارة دبي مثلاً، فقد تمكّنت حكومتها خلال ثلاثين عاماً من الانتقال إلى العالم الرقمي، حيث لم يعد يتطلّب إنجاز أيّة معاملة رسميّة، مهما كان نوعها، أكثر من 24 ساعة، ما قطع الطريق أمام الرشاوى والسمسرات. أمّا النقطة الثانية، فتكمن في فتح السوق أمام المستثمرين جميعاً، وعدم اختيارهم من بين المقرّبين من الطبقة السياسيّة فقط. فلو اعتبرنا أنّه منذ العام 1992، هناك قطاعان فقط يدرّان الأموال على لبنان هما القطاع المصرفي والقطاع العقاري، والمعلوم أنّ الاستثمار فيهما يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، ما يعني تهميش حوالى 90 % من اللبنانيين من إمكانيّة الاستثمار. وأرى أنّه إذا لم تتغيّر عقليّة المحاصصة التي تحكم مجلس النوّاب فإنّنا لن نستطيع تحقيق أي تغيير”!!

عن مخاطر جدّية قد تهدّد بنية الاقتصاد اللبناني، يعتبر مخزومي أنّه “لا خوف على الاقتصاد اللبناني في المدى القريب، لأنّ لبنان مرّ بأزمات عصيبة، لكنّ الشعب اللبناني مقتنع بحقّه في الحياة بمعزل عن وجود حكومة أو عدم وجودها، ما يجعله يصمد ويقاوم”.

وفي ما خص تأثير الأوضاع السياسيّة والأمنيّة في المنطقة على الاقتصاد اللبناني، يشير مخزومي إلى أنّ “لبنان بلد صغير الحجم، يحدّه البحر الذي لا نستطيع استخراج النفط منه بعد لأسباب سياسيّة، ويحدّه العدو “الاسرائيلي” جنوباً ونحن على حرب معه، وتبقى سوريا التي تعاني من حرب أهليّة- عالميّة”. يضيف: “نحن مرتبطون اقتصاديّاً بسوريا، لذلك فإنّه لا نمو اقتصادي للبنان ما لم تتحسّن الأوضاع فيها. إضافة إلى ذلك انخفاض أسعار النفط في العالم وتأثّر دول الخليج بها والتي يعمل على أراضيها أكثر من 400 ألف لبناني يرسلون التحويلات الماليّة إلى لبنان، والتي بلغت في العام 2015 حوالى 7.8 مليارات دولار. أمّا اليوم فإنّ مشاريع منطقة الخليج لم تعد كسابق عهدها، وإمكانية الاستفادة الماديّة منها أصبحت أقلّ، فضلاً عن المواقف السياسيّة التي صدرت عن بعض الجهات اللبنانيّة ضدّ المملكة، ما يزيد من حجم الضغط على اللبنانيين هناك، لذلك أتوقّع أن تتراجع العائدات الماديّة من دول الخليج بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30 في المئة”.

أمّا عن القطاع المصرفي اللبناني، فأكّد مخزومي أنّه “القطاع الوحيد الذي لا يزال آمناً في لبنان، وما دام المصرف المركزي وجمعيّة المصارف يتعاطيان مع القوانين الأميركيّة الجديدة بحكمة فلا خوف على هذا القطاع، لذلك فإنّه على المؤسّسات الاقتصاديّة كافّة التعاون مع المصارف كي نتمكّن من الاعتماد على هذا القطاع خلال مرحلة إعادة إعمار سوريا”. ودان التفجير “اللئيم” الذي طاول منطقة فردان واستهدف بنك لبنان والمهجر، داعياً “جميع اللبنانيين إلى الوقوف جنباً إلى جنب من أجل لبنان آمن ومستقر، والحفاظ مجتمعين على السلم الأهلي والوحدة الوطنية”. 

عن الإصلاحات التي يمكن القيام بها لحثّ الشباب اللبناني على البقاء في وطنه، يلفت مخزومي إلى أنّ “لبنان يخرّج سنويّاً حوالى 35000 طالب جامعي، في حين لا يستطيع تأمين أكثر من 7 إلى 8 آلاف فرصة عمل، بينما يعمد الباقون إلى السفر والعمل خارج الوطن. ثمّ إنّ اللبنانيين العاملين في دول الخليج لا خوف عليهم من عدم العودة إلى وطنهم لأنّه لا توطين في تلك البلدان، لكنّ الخوف يكمن في الهجرة البعيدة، حيث يتحوّل لبنان عند المغتربين في تلك البلدان إلى مجرّد مكان لتمضية عطلة الصيف لا أكثر! لذلك تكمن مهمّتنا اليوم في تغيير نمط التنمية الاقتصاديّة، فنظامنا الاقتصادي هو نظام ريعي خدماتي يكون في طليعة الاقتصادات التي تتأثّر عند حدوث أي أزمة في العالم. وقد قمنا في العام 1995 بدراسة مشروع لتطوير المناطق الحرّة في مطارات بيروت والقليعات ورياق، كل منطقة وفق إمكاناتها وخبراتها. كان يمكن للمنطقة الحرّة في مطار بيروت أن تكون رائدة في مجالَي الموضة والمجوهرات مثلاً، وأن يكون مطار الشمال رائداً في مجال الالكترونيات حيث كان يمكن تخصيص موقع للصينيين والكوريين يتمّ فيه تجميع الالكترونيات ومن ثمّ توزيعها على المنطقة بكاملها، وفي رياق القطاع الزراعي، لكنّ هذه المشاريع لم تنجح لأسباب سياسيّة. أمّا على الصعيد السياحي، فلبنان متخم بالفنادق الفخمة لكنّ معظمها شاغر، وبالتالي لا يمكننا أن نعتمد في هذا المجال على المطاعم والملاهي الليليّة فقط، بل يمكن الاستثمار أيضاً في مجال السياحة الدينيّة والطبيعيّة والبيئيّة والأثريّة والثقافيّة… وإذا استمررنا على هذا المنوال، فإنّنا سنتحوّل إلى مجتمعٍ هرم، لذلك فإنّ هدفنا خلق آفاق جديدة تدفع الشباب اللبناني للعودة إلى الوطن بعد فترة من العمل في الخارج، فيتحوّل سفرهم من هجرة إلى انتشار”. ويتابع: “نرى اليوم أنّ الأفق اللبناني يكمن في الثروة النفطيّة والغاز الموجودَين في لبنان اللذَين في حال استخراجهما واستثمارهما فسيتحوّل اقتصاد لبنان من اقتصاد ريعي خدماتي إلى اقتصاد منتج، لكنّه يحتاج إلى حوالى 7 أعوام ليبدأ بتحقيق مردود، لذلك فإنّ من الشروط الأساسيّة التي يجب وضعها: إلزام أي شركة تستثمر في هذا القطاع بتدريب 100 إلى 200 لبناني سنوياً ليتمّ توظيفهم لاحقاً في هذا المجال”. يتابع مخزومي: “بدأنا بدراسة الفكرة، وقرّرنا تأسيس لوبي أو مجموعة ضغط شبابيّة تضع شروطاً وتُلزم بها كلّ مَن يرغب في الاستثمار في هذا المجال وكلّ مَن يودّ الترشّح إلى النيابة. وقد بدأنا بالتواصل مع الكليّة العليا للدراسات الاقتصاديّة الفرنسيّة، ثمّ جلنا بهذا المشروع على أهمّ جامعات لبنان، لنُعلم الشباب والطلاب أنّ المشروع لهم وهدفه مساعدتهم”. مؤكّداً أنّ هذا المشروع لم يلق حتّى الآن دعماً سياسيّاً أو حكوميّاً إلا من وزير الطاقة أرتور نظريان الذي يواكب العمل، لافتاً إلى أنّ المشروع يتطوّر عاماً بعد عام، حيث يتمّ الاستعانة لهذه الغاية بخبراء من الخارج لإعطاء محاضرات بهذا الشأن للطلاب”. مؤكّداً “نراهن اليوم على الجيل الجديد الذي سيتمكّن من تخليص لبنان من التبعيّة العمياء للزعماء، فابني رامي، رحمه الله، كان يبلغ من العمر 25 عاماً حين أوكلت إليه إدارة الشركة، وقد ساهم في تطويرها نحو 10 أضعاف، ولم أكن لأعود شخصياً إلى هذا العمل لولا وفاته”.

تُعنى مؤسّسة مخزومي بتنفيذ العديد من المشاريع الخاصّة بشهر رمضان، وعنها يقول مخزومي إنّ “المؤسّسة منتشرة على الأراضي اللبنانيّة كافّة، وتعمل تحت ثابتة مفادها أنّ كلّ نجاح نحقّقه، على المجتمع الاستفادة منه وإلا نصبح غرباء عنه”. ويضيف: “يرزح أكثر من مليون شخص تحت خط الفقر في لبنان، لذلك بدأنا بتنفيذ مشروع تأسيس مطبخ مخصّص لتقديم وجبات الإفطار للمحتاجين خلال هذا الشهر، ونظراً لازدياد الإقبال، طوّرنا الفكرة وبدأنا منذ ثلاثة أعوام بافتتاح قرية رمضانيّة في منطقة فردان، وذلك برعاية مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة عبد اللطيف دريان، حيث تساهم في تأمين طعام الإفطار لأكثر من 2000 شخص على مدار الشهر الفضيل. كذلك تؤمّن المؤسّسة إفطارات رمضانيّة لحوالى 600 عائلة سوريّة لاجئة. إضافة إلى مهرجان “رمضانيات بيروتية” في مجمّع المعارض “البيال”، يرتاده بين 5 إلى 7 آلاف شخص كلّ ليلة حيث تشارك المؤسّسات الخيريّة والفنانون والمثقفون والجمعيّات كافّة، ما يشكّل مساحة للتعارف والتعايش بين اللبنانيين”، مؤكداً أنه “سيتم إطلاقه هذه السنة أيضاً في 21 حزيران وسيستمر حتى 25 منه ويتضمن نشاطات من وحي الشهر الفضيل”.


على مدار الساعة
على مدار الساعة
اشترك بالنشرة الاخبارية للموقع عبر البريد الالكتروني