فؤاد مخزومي
الأوضاع في لبنان ليست على ما يرام، مؤسسات الدولة تتدهور. لكن لا بد من لفت نظركم إلى أن أحداً من الأطراف السياسية المعنية بالصراع والممسكة بزمام الحكم، خصوصاً، قد يريد إسقاط الطائف على الرغم من تورط الجميع في تعريضه لاهتزازات شديدة، سواء عبر الحديث المباشر، عن “المثالثة” مثلاً أم غير المباشر عند مخالفته مراراً وتكراراً باعتماد قوانين للانتخاب تناقضه، فقد نشأت، منذ وضعه في الطائف، مجالس نيابية بالتعيين التحاصصي أكثر منه بالانتخاب، على الرغم من كل المظاهر التي تشي بديمقراطية العملية الإنتخابية. طبعاً المشكلة هنا تكمن في عدم تنفيذ غالبية بنود هذا الاتفاق، وخصوصاً تلك المتعلقة بقانون الإنتخاب.
الناس في وضع معيشي متردٍ على غير صعيد وتفاقم للدّين العام الذي فاق الـ71.5 مليار دولار، وقد احتل لبنان المرتبة الثالثة عالمياً والأولى عربياً على صعيد نسبة هذا الدين إلى مجمل الناتج المحلي. والبطالة التي تناهز 35% تطرد شبابنا إلى هجرة مؤلمة أو تقوقع طائفي ومذهبي، إحدى عشر عاماً بلا موازنة مع تراجع قيمة التقديمات الاجتماعية وكذلك قصور المداخيل عن سدّ الحاجات الأساسية.
ومع أزمة اللاجئين الذين فاق عددهم المليون و300 ألف لاجئ، وتسببت بخسائر بلغت منذ العام 2012 وحتى اليوم 13 مليار دولار منها 5.6 مليارات في 2015 وحدها أو ما يعادل 11% من الناتج المحلي، أصبح لبنان يحتاج إلى رعاية دولية لأزمته الاقتصادية والاجتماعية. باختصار يمكن القول أن أفق الاقتصاد في البلد مسدود.
والأزمة فعلياً لا تقتصر ولا يمكن أن تختصر بمسألة الشغور الرئاسي في لبنان بل في الطبقة السياسية التقليدية، والقوى المرجعية النافذة إقليمياً ودولياً.
الثابت أن لا حل الآن في ظل ظروف المنطقة وأوضاعها لكن يمكن الجزم بأن الحرب الأهلية المسلحة يمكن تفاديها لعدم وجود قرار داخلي بإشعالها عند غالبية الأطراف، ويمكن تفاديها أيضاً بمساعدة المجتمع الدولي لتذليل صعوبات إنقاذ المؤسسات من الشلل.
والواضح أيضاً أن لا حل قريب في المنطقة وتحديداً في سوريا… لكن إضافة إلى شرط الحل في المنطقة، فإن الحل في لبنان يتطلب إرادة وطنية من خارج مفهوم التقاسم والتحاصص التقليدي.
في الواقع لا يمكن للبنان إلاّ أن يتأثر سلباً بالمعارك الإقليمية المفتوحة على أكثر من احتمال.. فالمنطقة التي تشهد مواجهة سياسية مكشوفة بين السعودية وإيران في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن.
المملكة العربية السعودية المؤثرة في المنطقة وفي لبنان، تمرّ في مرحلة صعبة: حكم جديد… أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب انخفاض أسعار النفط… حرب اليمن… علاقتها مع أميركا متارجحة بين حلف تاريخي مشهود وخلافات بسبب الإرهاب منذ 11 أيلول 2001.. وقانون جاستا قد يكون أحدث تجليات هذا الخلاف.
من جهة إيران المؤثرة أيضاً في لبنان وفي بعض بلدان المنطقة، فإن الانفتاح على المجتمع الدولي منذ توقيع الاتفاق النووي في 2015 لم يحصل كما تريد. وطهران تتابع مشروعها المرفوض من المنطقة ومن أميركا. وواشنطن لم تسهِّل أمورها بسبب ذلك ولم تسهِّل أمورها في المنطقة كما كان متوقعاً بعد الاتفاق النووي. وإيران تعاني أيضاً من صعوبات اقتصادية بسبب انخفاض أسعار النفط… والعقوبات. والسؤال يبقى معلقاً إن كانت إيران سوف تبقى مستقلة أو تضطر إلى القبول بدور لروسيا في المنطقة؟
أما تركيا فدورها لم يتبلور بعد رغم انغماسها في الحرب السورية (تدريب، تسليح، تمرير مقاتلين…) وفي العراق فلتركيا دور من خلال وجود 2000 عسكري قرب الموصل في بعشيقة. وفي تركيا أيضاً معركة عسكرية ضد أكرادها وأكراد سوريا، علماً أن تركيا ليست على خلاف مع السعودية وليست أيضاً في وارد الحرب مع إيران رغم اختلاف المواقف السياسية، خصوصاً في سوريا.
دولياً، لا يمكن إلاّ الإقرار بأنه على المستوى الأخلاقي لا يمكن تبرير موقف الرئيس الأميركي أوباما من سوريا. لكن أميركياً فإن أوباما عمِل لمصلحة بلاده بعدم إرسال جنود على الأرض.. فواشنطن على هذا الصعيد تراقب ما يمكن تسميته تورط عسكري إيراني وروسي في سوريا خصوصاً أن استنزافهما ممكن هناك بسبب الحرب الطويلة وعدم وجود بوادر حل سلمي في الأفق. وهذا الإنهاك لكل من روسيا وإيران يخدم مصلحة أميركا.. فالحرب تدور والاستنزاف مستمر والتجربة الأميركية في حرب فييتنام تتوقعها مصيراً مماثلاً لروسيا وإيران.
وفي السياق، يبدو جلياً أن الحرب الطويلة في سوريا والعراق ممكنة بل في المنطقة كلها ويمكن أن تستمر لسنوات وتتعب الجميع وتدمر دولهم وتفقر شعوبهم.
وفي السياق أيضاً، إن النظام الإقليمي في الشرق انهار منذ اشتعال الثورات العربية في العام 2011. ويبدو أن الفدرالية تتبلور في ملامحه الأساسية ويمكن وصف ما يحصل بأنه تقسيم مقنع.
لكن هل هناك نظام دولي جديد بدل الأحادية؟ والجواب أنه يمكن أن يكون هناك شريك لأميركا في إدارة العالم… لكن يجب الانتظار… لن تكون روسيا هي الشريك وإن وُجِدَ فسوف تكون الصين.
إن لبنان الصغير يجب أن يصمد وسط أعاصير المنطقة. وهو لا يحتمل التفتيت ولا التقسيم لا الضم ولا الفرز. إنه لبنان صلة الوصل بين الشرق والغرب. نحن مجتمع متنوّع ويجب أن نبقى كذلك. نحن ضمانة لمسيحيي الشرق ويجب أن نبقى كذلك.
إن تأسيس منتدى الحوار الوطني هدف للدعوة إلى الحوار بين المواطنين والمجتمعات المحلية. ومن أهم نشاطاته كان تنظيم “ملتقى النفط والغاز” من أجل الدفع باتجاه الحفاظ على هذه الثروة الوطنية وحسن استثمارها. فهذا الملف هو مستقبل لبنان ونحن نتطلع إلى مستقبل خال من الفساد والمحسوبيات والرشاوى، لذلك شاركنا في جميع الحملات ضد ملفات الفساد كملف النفايات والقمح الفاسد والأمن الغذائي والكهرباء والمياه والتقديمات الصحية وغيرها. وعلى الشباب أن يأخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن مقدرات الدولة ومؤسساتها، وعن ثروة لبنان الجديدة.
نحن في منتدى الحوار الوطني وحزب الحوار الوطني ومؤسسة مخزومي وجمعية بيروتيات وفي مختلف مؤسساتنا نستثمر في الأجيال القادمة، فهي القوة التي ستدفع بلبنان ليكون موحداً، حراً ومستقلاً ومزدهراً اقتصادياً، فنحن نؤمن بأن لبنان على الرغم من الصورة القاتمة اليوم، سيستعيد مكانته وصورته أمام العالم.
إن المسؤولية الاجتماعية في صلب أسلوب عملنا. من هنا، كان تأسيس “مؤسسة مخزومي” عام 1997 وتترأسها اليوم وتديرها زوجتي مي. لقد تمكنت المؤسسة من تقديم أكثر من 2.5 مليون خدمة لـ660 ألف شخص من خلال برامجها المتنوعة والمتماهية مع أهداف الأمم المتحدة الـ17 للتنمية المستدامة، بدءاً من برامج التدريب المهني، والرعاية الصحية، والقروض الصغيرة، والمشـاريع الإنمائية، وصولاً إلى وحدة الإغاثة والخدمات الإنسانية.
ولقد تم إطلاق مبادرة إنسانية جديدة تمثلت في جمعية “بيروتيات” تهدف إلى استقطاب اللبنانيين لخدمةعاصمتهم وإنشاء رابط في ما بينهم على اختلاف انتماءاتهم ضمن فسحة حياة يحلو العيش فيها. ومن أهم فعالياتها مهرجانات “رمضانيات بيروتية و”ميلاديات بيروتية” اللذين ننظمها كلّ سنة وأصبحا اليوم من الفعاليات السنوية.
من مشاريعنا أيضاً “حوار الأبجدية” وهو أحد المبادرات الثقافية الحضارية التي أخذ منتدى الحوار الوطني على عاتقه تحويلها إلى حقيقة. وتقوم على تجميل الأجزاء المرئية من الهندسة الخارجية بالاستناد إلى تصاميم الأبجدية القديمة والحديثة. وكذلك إنشاء متحف في الطبيعة يؤدي إلى باب ضخم يحمل شعار “حوار الأبجدية” في إشارة إلى حوار الحضارات والثقافات.
إلى هذا، تضمّ مجموعة شركاتنا آلاف الموظفين الأوفياء وهي تشمل، إلى جانب شركة المستقبل لصناعة الأنابيب، مجموعة ENOIA المتخصصة في مجال الخدمات الهندسية والناشطة في أربع قارات. وللشركة وجود في 17 دولة وتُجري اتفاقيات وأعمال في عشرات الدول الأخرى حول العالم. تشكل برامج المسؤولية المجتمعية للشركات، مع تطبيقاتها المتعددة الأوجه، منصات للمسؤولية المستدامة ولديها تأثير إيجابي جداً على المجتمع بشكل عام.
ومن أجل ترسية مفاهيم حديثة في عالم الأعمال، أنشأنا كرسي رامي مخزومي لحوكمة الشركات في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، لدعم تطوير الممارسات الجيدة لحوكمة الشركات في المنطقة. ولطمأنة المستثمر وخير الاقتصاد بكل انعكاساته على حياة المواطنين.
في الختام، أشكر فرنسا الدولة الصديقة الدائمة للبنان على مختلف مبادراتها. وآمل أن تبقى على العهد في دعم لبنان أمام المحافل الدولية، والمساهمة في دعم سلمه الأهلي ونهضة اقتصاده ومؤسساته.
(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي خلال جلسة استماع في البرلمان الفرنسي في 18 تشرين الأول 2016
Attachments area
