عندما تذهب السكرة وتحضر الفكرة

12:232016/11/28
A
|
A
|

حقق الوضع المسيحي خلال هذا العام خطوات متقدمة، فقد تحققت مصالحة بين “التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية” وتكرست على اساس اتفاق سياسي- رئاسي وترسخت مع وصول الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا. وشعر فريق كبير من المسيحيين انها المرة الاولى منذ اتفاق الطائف ينتخب رئيس للجمهورية يمثلهم ويستند الى تأييد شعبي اسلامي كبير ايضاً.

ولكن هذا الوضع الجديد للمسيحيين والجيد مقارنة بما كانت عليه الحال من قبل ليس كافياً، بل هو بداية الطريق الطويل، فإذا لم يتم استكمال ومواصلة ما بدأ وتحقق حتى الآن، فإن المسيحيين لن يكون بمقدورهم تحقيق انجازات عملية ونوعية والحصول على وضع مستقر وعلى مستقبل مضمون، لا بل يظل هاجس العودة الى الوراء قائماً، ومعه احتمال ان يعود المسيحيون مجدداً الى اجواء الخيبة والاحباط فيما لو اخفقوا في صيانة هذا الوضع الجديد وتثبيته وتطويره نحو الافضل، وهذا ما لا يمكن ان يتم الا من خلال استراتيجية سياسية متكاملة.

هذه الاستراتيجية لا ينبغي تعقيدها وتحميلها اكثر مما تحمل، وانما يجب تكييفها مع الواقع ومع قواعد اللعبة وخطوطها، وهذه الاستراتيجية لا تعني تأطير المسيحيين في اطار مشروع سياسي واحد ولا تعني الغاء التنوع السياسي عندهم.

من هنا فإن المرحلة الانتقالية الدقيقة التي تمر بها المنطقة في ظل التحولات الكبرى على مستوى المحيط، تبقى فيها الحاجة ماسة الى استراتيجية سياسية مسيحية تقوم على النقاط والمرتكزات التالية:

1- توسيع نطاق المصالحة المسيحية وتعميمها على كل المستويات وفي كافة الاتجاهات بحيث لا تستثني احداً ولا تشعر احداً انه مستهدف او مهمش.

ان الاتفاق الحاصل بين “القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر” كان موضع ترحيب ولا اظن ان هناك بين المسيحيين من لا يريد ولا يؤيد مثل هذا الاتفاق الذي طوى صفحة الماضي الاليم ونقل الوضع بين فريقين مسيحيين اساسيين من ضفة الانقسام والتخاصم الى ضفة الوحدة والتسامح.

ولكن اتفاق “التيار – القوات” لا يعني ولا يجب ان يعني قيام ثنائية مسيحية طامحة الى احتكار التمثيل والقرار والى الغاء الآخرين، وبالتالي فإن هذا الاتفاق الثنائي يجب ان يتوسع ويتسع للجميع بدءاً من “حزب الكتائب وتيار المردة” وصولاً الى باقي الاحزاب والقوى والطوائف المسيحية اياً يكن حجمها وتأثيرها وبما يؤِدي الى تضافر كل الجهود وتفاعلها وانسجامها.

2- التعاطي بمسؤولية مع عملية تشكيل الحكومة الجديدة واية حكومة لاحقة والتحلي بالواقعية والتواضع، وإذا كان فريقآ سياسيآ يمثل ما يمثله عند المسيحيين وتحديداً  “التيار والقوات” يحق له المطالبة بحقوقه وحصته، فانه واقولها بكل حرص لا يحق له في هذه المرحلة التصرف من خلفية انه الفريق المنتصر لمجرد انه كسب رئاسة الجمهورية، فيبادر الى وضع شروط والى تصنيفات بين موالاة ايدت وصول الرئيس عون الى رئاسة الجمهورية يحصر بها الدخول الى الحكومة، ومعارضة ايدت مرشح آخر او صوتت بورقة بيضاء لا يحق لها الدخول الى الحكومة… كون هذا التصنيف والفرز السياسي لا يتماشى مع طبيعة النظام الطائفي والسياسي وقواعد ما بعد الطائف حيث الشراكة في الحكم هي العنوان والهدف، وهذه الشراكة لا تستثني احداً ولا يصح فيها ومعها قيام معارضة وموالاة، وان يكون فريق سياسي معين خارج الحكومة مسيحي كان ام مسلماً الا اذا كان هذا الفريق لا يمثل شعبياً ولا وجود له في البرلمان.

3- جعل قانون الانتخابات الجديد الضامن الوحيد لتمثيل شعبي صحيح ولتوازن وطني اكيد على اساس المناصفة الفعلية، اولوية مطلقة وعدم الوقوع في اي استدراج او ابتزاز يؤدي الى العودة لقانون الستين.

وبالتالي يجب ان يكون قانون الانتخابات بمثابة قضية وطنية تعني المسيحيين اولاً لأن لا شراكة حقيقية في الحكم من دون تمثيل مسيحي فاعل ومؤثر، ولا اصلاح اداري واقتصادي واجتماعي بما في ذلك محاربة الفساد من دون اصلاح سياسي قاعدته الاساسية قانون انتخابات جديد يعيد تكوين السلطة بدل الاستسلام كأمر واقع لقانون تجاوزته الاحداث والوقائع لا يؤدي الا الى اعادة انتاج الطبقة السياسية ذاتها، واغراق الوضع في الدوامة والدوران في حلقة مفرغة.

4- عدم تورط المسيحيين في متاهات وتجاذبات الصراع “السني- الشيعي”، وعدم التحول الى طرف فيه بالانحياز الى هذا الفريق او ذاك.

في السنوات الماضية، توزع المسيحيون بين “مسيحيين سنة” و”مسيحيين شيعة” اذا جاز التعبير وكانوا في موقع التابع لهذا الفريق او ذاك فتعطل دورهم وتأثيرهم وباتوا في موقع الملتقي لا المبادر وجلسوا في المقاعد الخلفية…

في الختام وبعد ان ذهبت السكرة وحضرت الفكرة بات على المسيحيين من الآن وصاعداً وخصوصآ بعد انهيار معسكري 8 و14 آذار وخلط الاوراق والتحالفات السياسية ان يعوا موقعهم الجديد كقوة سياسية مستقلة غير مرتبطة بفريق وطائفة في الداخل وبدولة ومحور في المنطقة، وان يعوا دقة واهمية دورهم الجديد كشركاء حقيقيين على مستوى الوطن وكعامل توازن في الصراع “السني- الشيعي” في لبنان لا كعامل مرجح، وكجسر تواصل وتفاعل ايجابي بين “السنة والشيعة” اللبنانيين لا كحاجز او منطقة عازلة.

 

دافيد عيسى

سياسي لبناني

 


على مدار الساعة
على مدار الساعة
اشترك بالنشرة الاخبارية للموقع عبر البريد الالكتروني