الياس بو صعب ودبي والوجه الآخر…

10:152017/03/27
A
|
A
|

دافيد عيسى

تلقيت خلال إقامتي الوجيزة في دبي اتصالاً من دبلوماسي صديق لي منذ ان كان سفيراً لبلاده في بيروت، دعاني الى حضور مؤتمر اكاديمي تستضيفه الجامعة الأميركية في دبي حول «دور الشباب في ازمة اللاجئين» كونه سيكون متحدثاً فيه، سُررت بهذه الدعوة وقررت ومن دون تردّد ان البيها لسببين على الأقل:
– السبب الأول: هو ان المؤتمر يتناول قضية ومسألة مهمة جداً تعني الجميع في العالم العربي وتعنينا خصوصاً كلبنانيين لأن لبنان هو الدولة الصغرى في الجوار السوري والذي استضاف على ارضه اكثر من مليوني لاجىء سوري ونصف مليون لاجىء فلسطيني بما يفوق طاقته وامكاناته.
– السبب الثاني: هو ان المؤتمر ينعقد في الجامعة الأميركية التي اسسّها الوزير الياس بو صعب لتكون هذه الجامعة الرائدة في عهدته، وليكون هو من ابرز القيّمين على تطورها.
الجامعة الأميركية في دبي تضمّ 2500 طالب من 110 جنسيات مختلفة، وهيئتها التعليمية تضم 200 استاذ ومدرّس، وفيها ستّ كليات ودراسات عليا، والى جانب وظيفتها ورسالتها التربوية تضطلع الجامعة بدور فكري وتثقيفي من خلال المؤتمرات المتنوعة التي تستضيفها وكان آخرها هذا المؤتمر الخاص لدور الشباب في ازمة اللاجئين.
وانا أتأمل مدهوشاً بأهمية هذا الصرح وضخامته وسعته ودوره الأكاديمي والفكري، راودتني فكرة ألحت عليّ وهي ان هذه الجامعة هي من «صنع لبناني» ويقف وراء تأسيسها وإطلاقها لبناني ناجح ومميّز هو الياس بو صعب الذي آثر رغم هذا الإنجاز الكبير ان يعود الى بلده ويعمل فيه بجهد ومثابرة ويعطيه من وقته وجهده.
فكرت كثيراً كيف ان شخصاً توافرت له كل مقوّمات النجاح والرفاهية يضعه جانباً ليعطي اولوية لوطنه الذي ترعرع فيه، وكيف ان رجالاً أكفاء في وطني لا يُعطَون في بلادهم ما يستحقون من قيمة ومكانة في حين تُتاح لهم كل سبل ووسائل النجاح والتفوق في الخارج.
فكرت كيف ان الياس بو صعب وامثاله يضحّون ويغامرون عندما يقرّرون وضع انفسهم بتصرّف لبنان فهؤلاء لا تنقصهم مراكز ومواقع ولا مظاهر وشكليات، ولا ابالغ اذا قلت بعدما شاهدت الوجه الآخر للياس بو صعب ان هذا الرجل «يضحي» عندما يقبل ان يكون وزيراً في بيروت في حين ان رئاسته للجامعة الأميركية في دبي تعطيه كل شيء ولا تقيّده في شيء، اما المسؤولية هنا في اي موقع وزاري او سياسي، فإنها تجعل المسؤول مقيداً بالخطوط وقواعد اللعبة، لعبة السلطة والمصالح، وواقعاً بين مطرقة الناس وسندان الحكام والزعماء.

عندما اكتشفت عن كثب الجامعة الأميركية في دبي، ادركت سر نجاح الياس بو صعب وعرفت الوجه الآخر لهذا الرجل العصامي الذي بنى نفسه بنفسه واعتلى منصة النجاح بجهد شخصي واكتسب محبّة الناس والطلاب واهلهم والأساتذة والمسؤولين في دبي كما في لبنان، هذه المحبة المقرونة بالتقدير والاحترام والإعجاب.
الياس بو صعب يعتبر ان محبّة الناس هي «زوادته» وذخيرته، فعندما تسلّم وزارة التربية والتعليم العالي، كان من بين انجح وزراء التربية الذين عرفهم لبنان والأكثر دينامية وحيوية والأكثر قرباً من الطلاب واهلهم والأساتذة على حدّ سواء واستحواذاً على ثقتهم.
ومن الطبيعي ان يحصد بو صعب هذه المحبة ما دام انه اتّقن الصدق والشفافية والسلاسة والصراحة والتواضع والاعتدال والانفتاح، ولا عجب اذا استمرّ هذا الرصيد الشعبي ثابتاً وراسخاً حتى بعد تركه منصبه الوزاري وفي خضمّ الأستعدادات للاستحقاق النيابي.
وانا في الجامعة الاميركية في دبي تمنيت لو تُتاح للبنانين فرصة نقل هذا النموذج الخاص والناجح الى القطاع العام في لبنان وتتوافر البيئة السياسية والقانونية المساعدة على كسر الهيمنة السياسية والفساد المستشري والروتين الإداري، فأنا على يقين ان المشكلة في لبنان ليست في الشعب وليست في الفرد اللبناني وانما في الدولة والنظام القائم على الزبائنية ومحاصصة طائفية وسياسية وفي ذهنيات اهل الحكم وممارستهم وكيفية ادارتهم لأمور الدولة وللشأن العام.
في دبي، وفي الجامعة الأميركية تحديداً، تمنيت لو نتمثل ونقتدي في لبنان بالنموذج الإماراتي وتطبيق جزء منه في بلدنا. دولة الإمارات قطعت شوطاً متقدماً جداً على طريق الحداثة والتنمية البشرية والتقدم ومواكبة التطور وروح العصر وتأمين العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وتطبيق القوانين بحذافيرها وحيث لا وساطات ولا حلول وسط. اين نحن واين دولتنا وشعبنا من كل ذلك؟
مؤتمر دور الشباب في ازمة اللاجئين الذي استضافته الجامعة الأميركية في دبي للمرة الأولى وبالتنسيق مع الأمم المتحدة ومفوضية شؤون اللاجئين نجح في ايصال الرسالة وفي تحديد الهدف لجهة تحفيز الجيل الناشئ على تحمّل المسؤولية والعمل على تقديم المساعدات للنازحين بطرق مختلفة سواء من خلال التطوع او بابتكارات جديدة يمكن ان تساهم في ايجاد حلول انسانية لهؤلاء الذين دفعوا ثمن الحروب، او لجهة تفعيل دور الشباب في المجال الإنساني وتعزيز قدرته على القيادة والاستجابة للأزمات العالمية بتشجيع من الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية.
وهذا المؤتمر يندرج في السياق الطبيعي لسياسة دولة الإمارات على الصعيد الإنساني والاجتماعي والتي لخّصها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بقوله: ان المساعدات الإنسانية التي نقدمها لا تحكمها السياسة اوالجغرافيا او العرق او اللون او الدين. والإمارات تمثّل محطة الإغاثة الرئيسية للفقراء. نحن لا نتردّد في مساعد ودعم الأخ والصديق او المحتاجين اينما كانوا. هذه هي رسالتنا للعالم وهذه هي دولة الإمارات العربية المتحدة.
في دبي فكرت كثيراً بلبنان، الوطن الرسالة الذي لا يقوى على أداء رسالته… فكرت بالشباب اللبناني المشتّت الباحث على حلم ضائع وفرصة عمل ودولة عادلة. فكرت ايضاً بعلامات امل مضيئة وطاقات ناجحة مبدعة مثل الياس بو صعب وامثاله الكثيرين في ارجاء المعمورة.


على مدار الساعة

الأبرز هذا الأسبوع

على مدار الساعة

الأبرز هذا الأسبوع

اشترك بالنشرة الاخبارية للموقع عبر البريد الالكتروني