“اتفاق معراب”… ليبقى ويستمر ويتطور

12:582017/03/13
A
|
A
|

 

دافيد عيسى
كل المؤشرات واستطلاعات الرأي تؤكد ان اتفاق المصالحة الذي حصل بين “التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية” وترجم عملياً في الاستحقاق الرئاسي بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، والذي عرف بـ “اتفاق معراب” حظي يومها بتأييد عدد كبير من المسيحيين لانه طوى صفحة الماضي الدموي والاليم، كذلك شعر المسيحيون ولمسوا بعد هذا الاتفاق ان هناك تغييراً قد حصل على صعيد ميزان القوى السياسي وان الاتفاق لم يطوى فقط مرحلة الخصومة والكراهية بين قوتين مسيحيتين، وانما طوى ايضاً صفحة المرحلة السابقة المتمادية منذ الطائف والحافلة بالاحباط والتهميش وعدم توافر شروط المشاركة الفعلية والمساواة في الحكم
كثيرون علقوا على هذا الاتفاق آمالاً ورأوا فيه مدخلاً الى استعادة الثقة والتوازن وكثيرون ايضآ من التزم الحذرحيال الاتفاق وشكك بجدواه وامكانية صموده واستمراره.
– المتفائلون بالاتفاق…
المتفائلون بما تحقق يقيمون مقارنة بسيطة بين ما كان عليه الوضع المسيحي وما اصبح عليه الوضع الآن، فالقوى والقيادات المسيحية كانت تجلس في الصفوف الخلفية وكانت تتبع في اطار الانقسام بين فريقي 8 و14 آذار اما للحزب “الشيعي” الاقوى “حزب الله” واما للحزب “السني” الاقوى “تيار المستقبل”، ولكن بعد “اتفاق معراب” حصل تغيير في المشهد السياسي وفي قواعد اللعبة التي صارت اكثر تكافؤاً وجلس الفريق المسيحي على الطاولة مع شركائه في الوطن وبات متساويآ مع الآخرين.
ويضيف المتفائلون انه في موازاة ذلك، حصل تطور كبير في الحكم والدولة مع وصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية بحيث وصل شخص يمثل عند المسيحيين وهذا ما يحصل للمرة الاولى في “مرحلة الطائف”، وتشكلت حكومة اعطت التمثيل المسيحي ما يستحقه عددياً ونوعياً من حقائب وزارية وتأثير في القرار… وإذا قيض للمسيحيين ان يحصلوا على “القانون الانتخابي” الذي يريدون ويناسب مصالحهم ودورهم يكونون قد حققوا اهم واثمن مكسب سياسي لأن قانون الانتخابات هو الاساس والمنطلق في عملية تصويب اتفاق الطائف وتصحيح مساره التطبيقي.
– المتوجسون من الاتفاق…
اما الحذرون والمتوجسون من الثنائي المسيحي فإنهم يتوقفون عند نزعة الاستئثار التي تهيمن عند الحزبين والاقصاء لكل ما عداهما، وعند الغموض الذي يلف قانون الانتخابات حتى على مستوى موقف الحزبين وما يريده فعلاً “التيار والقوات”، كما يتوقفون ايضآ عند الاشكالات التي تحدث بين الطرفين في ملفات عديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر ملف الكهرباء وملف التعيينات الادارية الاخير وملف انتخابات البترون الاخير وترشيح القوات لشخص من الساحل وليس من الجرد مما خلق اشكالية كبيرة بين الفريقين، ويضاف الى كل ذلك حالة عدم اليقين ازاء الانتخابات النيابية في حال اجرائها هذا العام وكيف ستخاض وعلى اساس اي قانون واي تحالفات ولوائح وحصص واحجام.
– اذا لم يكن المسيحيون “رزمة واحدة” سيأخذ منهم فرادى.
في الواقع، ان حالة الخوف من الاتفاق المسيحي وايضآ الخوف عليه مبررة في الحالين، فمن الطبيعي ان يشعر رئيس حزب الكتائب سامي الجميل ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية ورئيسة الكتلة الشعبية ميريم سكاف وشخصيات سياسية آخرى لها وزنها وحضورها الفاعل على المستوى السياسي بأنهما مستهدفون، وهذا ما يوجب على قيادة الحزبين المسيحيين المبادرة الى اتخاذ جملة اجراءات وخطوات عاجلة وهادفة لطمئنت كل القوى المسيحية الآخرى وتوسيع الاتفاق وضم كل الآخرين اليه، والى تمتين دعائم الاتفاق “الطري العود” حتى لا يسقط عند اول امتحان واختبار جدي
ومن ابرز المبادرات والخطوات المطلوبة:
1- توسيع اطار الاتفاق المسيحي ومداه ليشمل كل القوى والاحزاب والشخصيات السياسية المسيحية، فلا يستثني احداً ولا يقصي او يلغي احداً واعطاء كل التطمينات والضمانات الكفيلة بتبديد الهاجس الموجود عند القوى المسيحية الاخرى بأنها مستهدفة وبأن هناك نية مبيتة للنيل منها ولاقفال بيوتات سياسية تحت عنوان محاربة الاقطاع السياسي ولتحويل الانتخابات النيابية منصة ضدها ومحطة لتصفية الحسابات معها ولتصفية وجودها السياسي لاحقاً.
فإذا كان الاتفاق المسيحي مطلوباً كعامل قوة وتفعيل للدور والحضور، فليس مطلوباً ان يتحول هذا الاتفاق الثنائي سبباً لخلافات ومشاكل جديدة ومدخلاً الى الغاء التنوع والتعددية في مجتمعنا السياسي، واذا كان المطلوب انهاء الخلافات القديمة فهذا لا يعني فتح خلافات جديدة.
واذا كانت الانتخابات البلدية اطلقت اول انذار لإستشعار خطر الاقصاء والالغاء فإن الانتخابات النيابية يجب ان تلغي هذا الشعور وتطمئن الجميع انطلاقاً من مبدأ ان احداً في لبنان لا يستطيع ان يلغي احداً وان يعبث بتوازنات ومعادلات قائمة وتقاليد متوارثة.
2- اتفاق الطرفين المسيحيين على تصور مشترك ونهائي لقانون الانتخابات الجديد واعتماده قاعدة للتفاوض مع الافرقاء الآخرين، اذ لا يكفي ان يلتقي المسيحيون ويتفقون على رفض قانون الستين وانما يجب ان يلتقوا ويتفقوا على البديل الافضل من “الستين”، فما هو حاصل حتى الآن هو الاتفاق السلبي اي الاتفاق على ما هو مرفوض، فيما المطلوب “الاتفاق الايجابي” اي الاتفاق على ما هو مطلوب ولمرة اولى واخيرة.
وطالما لم يحدث مثل هذا الاتفاق على البديل، لن يكون بإمكان المسيحيين ربح معركة قانون الانتخابات ليصبحوا متساويين مع شركائهم في الوطن، وتحصيل اكبر قدر ممكن من المكاسب والشروط وانما ستظل الكرة في ملعب الآخرين.
3- الاتفاق على التعيينات الادارية بما يؤدي اولاً الى حفظ حقوق ومصالح كل القوى المسيحية طالما ان هذه التعيينات خاضعة اولاً لمبدأ المحاصصة السياسية، وبما يؤدي ثانياً الى تعيين من هم الاكفأ والاقدر اذا لم يكن بالإمكان اسقاط عامل الولاء السياسي، وهنا يجب علينا القول ان الاتفاق بين “القوات والتيار” لا يقتصر على البنية الفوقية للحكم ولا تقف مفاعيله عند قمة السلطة والمتمثلة في رئاسة وحكومة وانما يجب ان يطال البنية التحتية للدولة في اداراتها ومؤسساتها وان تعكس روحية المصالحة والشراكة الجديدة…
4- وضع آلية تنسيق وتعاون بين “القوات والتيار” تتناسب والوضع الجديد وما يستلزمه من تنسيق بين وزراء الطرفين وفي كل الملفات ذات الاهتمام المشترك.
الوضع تغير ووسائل التواصل والتفاعل يجب ان تتغير بعدما تجاوز الوضع اطار التواصل والتنسيق بين الحزبين ولم يعد هذا المسار الثنائي لوحده كافياً في لجم الاحتكاكات والتجاذبات ولم يعد كافياً لوحده في ترجمة مبادىء الاتفاق على ارض الواقع وفي كافة المجالات.
لأن الاتفاق المسيحي يواجه الحملات المنتقدة والمشككة ولأن المتضررين منه كثر والمتربصون به اكثر، ولأن المرحلة القادمة حافلة بالتحديات والضغوط، من هنا تقع على عاتق القيادات المسيحية ولا سيما قيادة “التيار والقوات” مهمة تثبيت وتطوير وتوسيع الاتفاق المسيحي لأنه اذا لم يكن المسيحيون “رزمة واحدة” سيأخذ منهم فرادى والى حيث لا يريدون…


على مدار الساعة
على مدار الساعة
اشترك بالنشرة الاخبارية للموقع عبر البريد الالكتروني