جاد صعب – الديار
في حربها الاستباقية على الجماعات الارهابية التي تتخذ من بعض احياء مخيم عين الحلوة منطلقا لتحركاتها الامنية داخل وخارج المخيم، يرتفع منسوب المراهنة لدى الاجهزة الامنية اللبنانية على القوى الاسلامية المتعايشة مع نسيج المخيم، والمتمثلة بـ «عصبة الانصار الاسلامية» و«الحركة الاسلامية المجاهدة» وحليفتهما حركة «حماس»، في الدخول الى معالجة حقيقية وجدية للملفات الامنية الاكثر حساسية، والمتعلقة بمصير عشرات الارهابيين الفلسطينيين واللبنانيين، وربما من جنسيات عربية اخرى،كانوا لجأوا الى المخيم قبل سنوات، مع ارتفاع وتيرة العمليات الارهابية التي تنفذها جماعات ومنظمات اسلامية متطرفة، تعمل وفق اجندة التنظيمات الارهابية التي تقاتل في سوريا والعراق، وارتفاع وتيرة الحرب الاستباقية التي نفذها الجيش اللبناني والامن العام اللبناني ضدها.
هذه المراهنة التي تمضي بها الاجهزة اللبنانية المختصة، من خلال رفع وتيرة التعاون مع الجانب الفلسطيني الذي بدأ يشهد متغيرات في موازين القوى، بعد انكفاء واضح لحركة «فتح» عن مشهد المتابعة الامنية للجماعات الارهابية، بعد ان فشلت في تحقيق حسم عسكري مع الجماعات الارهابية المتمركزة في حي الطيرة داخل المخيم، بعد اشتباكات استمرت لخمسة ايام جرت قبل اكثر من شهرين، فيما اثمرت «الخطوط المفتوحة» مع «عصبة الانصار» وحليفها امير «الحركة الاسلامية المجاهدة» الشيخ جمال خطاب، وبالشراكة مع حركة «حماس»، عن «فكفكة» اخطر الملفات الامنية المرتبط بشبكة ارهابية خطيرة، كانت تعد لتنفيذ مسلسل من الاستهدافات الامنية في الداخل اللبناني، والتي يخضع افرادها لجلسات تحقيق، بهدف كشف ما في جعبتهم من خفايا وخبايا واسرار.
يُجمع متابعون من داخل المخيم، على ان ملف الشبكة الارهابية التي فككها الامن العام اللبناني، بالتعاون مع فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي، وبخاصة بعد تسليم رأسها خالد السيد المعروف بـ «خالد مسعد» بجهود امنية من تشكيلات فلسطينية ذات عقيدة اسلامية هي من داخل النسيج الاجتماعي للمخيم، جاء كاول تعبير عن حسن نية فلسطينية من هذه القوى تجاه الاجهزة الامنية اللبنانية، ودلالة على جديتها في التعاطي مع ملف الارهابيين، فيما كان اشراك «حماس» في عملية التسليم، من اجل اعطاء صورة جلية عن توجهات قد تكون جديدة للحركة، بعد التطورات الحاصلة على الجبهة القطرية ـ السعودية… ولعل اهم ما قامت به «حماس» من دور في تسليم الارهابي مسعد، انه جاء ثمرة مواكبة للعملية على مستوى رفيع، جرت بين مدير عام الامن العام اللبناني اللواء عباس ابراهيم وقياديين من الصف الاول في الحركة، الامر الذي عزز الانطباع لدى الجانب اللبناني، من ان القدرة على الامساك بملف الارهابيين باتت اكثر من متوفرة، وان القوى الفلسطينية في المخيم قادرة على القيام بالكثير لحماية المخيم من الارهاب، وان الخطوة الاولى التي احدثت اصداء ايجابية على المستويين اللبناني والفلسطيني، بات يراهن الجميع على انها ستكون المدخل الذي يُفضي الى تحقيق المزيد من الخطوات التي تكفل انهاء الحالات المرتبطة بالقوى الارهابية، وبالتالي «تنظيف» المخيم من الاثقال الامنية التي لم تعد تشكل مصلحة لاحد داخل المخيم.
«العصبة» تردع الجماعات..
«الحديدة حامية»، عبارة يرددها متابعون فلسطينيون في مخيم عين الحلوة، في وصفهم للعلاقة المتوترة بين «عصبة الأنصار الاسلامية» التي تشكل اكبر التنظيمات الاسلامية في المخيم، واكثرها تأثيراً من ناحية النفوذ العسكري والقدرة الامنية، غداة تسليم احد ابرز الارهابيين، وهي الخطوة التي فسرتها اوساط واسعة في الجانبين اللبناني والفلسطيني، على انها بداية لتكريس رفع الغطاء عن اي ارهابي متورط في عمليات ارهابية يقيم داخل المخيم، الامر الذي يفتح الشهية لدى البعض للقيام بالمزيد من الخطوات في اطار حملة امنية استباقية، بدأت رؤوس كبيرة في الجماعات تستشعر المخاطر الامنية التي قد يتهددها، ما دفع بالعديد من الجماعات الاسلامية الصغيرة للتعبير عن انزعاجها من الدور الامني لـ «عصبة الانصار» صاحبة نفوذ امني وعسكري داخل المخيم، بعد حركة «فتح»، فكان الاستنفار الكبير الذي نفذته «العصبة»، ردا على تهديدات باغتيال قياديين منها، اطلقت اشاراتها الجماعات الارهابية التي تنتشر في بعض احياء المخيم، ردا على تسليم الارهابي مسعد، وبالفعل سجلت اشكالات مسلحة فردية في المخيم، على خلفية عملية التسليم، لكن الجماعات عادت ودعت الى «ضبط الناس» مع الابقاء على جهوزيتها لمواجهة اي محاولة لعملية تسليم جديدة، قد تطالهم في الصميم.
مخيم عين الحلوة، وبعد حركة استنفار واسعة في احيائه وشوارعه، كان على قاب قوسين او ادنى من الانفجار الكبير الذي كاد ان يقع بين «عصبة الانصار الاسلامية» من جهة، والجماعات الاسلامية المتطرفة والمرتبطة بالتنظيمات الارهابية التي يشبه سلوكها سلوك «داعش»، فالاتهامات القاسية والمباشرة التي وجهتها الجماعات الارهابية لـ «العصبة» و«حماس» وصلت الى حد الاتهام بـ «الرِّدة» وهي تهمة تُطلق، وفق الدين الاسلامي على الخارجين عن الدين، توصف بـ «افظع الكبائر»، ودعتهما للعودة الى «الدين الصحيح»، لكن رد «العصبة» جاء حاسما وحازما، بانها ستسلم كل متورط باعمال ارهابية للاضرار بسكان المخيم وباللبنانيين، كل هذه الاجواء اعادت المخيم، ولو لساعات، الى حال الاستنفار والتوتر وظهور مقنعين في الشوارع، ثم العودة الى هدوء مفتوح.. على كل الخيارات.
