سليمان طوني فرنجية .. واليد الممدودة

09:102017/07/03
A
|
A
|

دافيد عيسى

السياسة في لبنان متحركة صعوداً وهبوطاً، مدّاً وجزراً، ولكن ثمّة سياسيين لم يصنعهم ظرف عابر او ظروف طارئة، وهم لم يدخلوا عالم السياسة بالصدفة او من خلال محادل انتخابية.
واحد من هِؤلاء سليمان فرنجية ابن العائلة السياسية الشمالية الذي مثله مثل عائلة سكاف في زحلة والخازن في كسروان وجنبلاط وارسلان في الشوف والجبل وغيرها من العائلات السياسية القلائل في مناطق لبنانية اخرى .
سليمان فرنجية لا يُقاس دوره الوطني بحجم زعامته الطائفية والمناطقية ونظامها الجغرافي وانما بمدى قدرته على ان يظلّ رقماً صعباً رغم كل الظروف الصعبة، وثابتاً في المعادلة رغم كل المتغيرات، مستمدّاً قوّته واستمراريته من قوة ذاتية ومناطقية ومن رصيد سياسي وعائلي.
عندما خسر سليمان فرنجية معركة رئاسة الجمهورية وفرصة الوصول الى قصر بعبدا بعدما امتلك فرصة جدية وكاد ان يصل، اعتقد كثيرون ان هذه الخسارة ستكتب بداية نهايته السياسية بعدما كشف عن طموحه الرئاسي وفشل في تحقيق مشروعه وصارت العودة الى الوراء نتيجة حتمية لتعثّر محاولة التقدّم الى الأمام، لكنه استطاع التكيّف مع الاوضاع السياسية والظروف.
هذا الرجل الذي يتحدّر من منطقة لبنانية ضاربة جذورها في عمق الأرض والتاريخ وعُرفت دوماً بالعنفوان الوطني، وسليل بيت سياسي عريق اعطى الكثير للبنان وعُرف دوماً بأنه “عنوان الشهامة والفروسية”، هذا الآتي الى عالم السياسة لإكمال رسالة الآباء والأجداد، لم تضعفه ضغوط وصعوبات ولم تغيّره ظروف وتحولات.
– “ابو طوني” وعلاقاته بالخصوم والاصدقاء.
“ابو طوني” ثابت في مواقفه وما بدل تبديلا، وهذه الصفات تشكل نقطة القوة لديه وتجعله موضع احترام عند خصومه قبل اصدقائه، كونهم يرتاحون في التعاطي معه لانه صاحب وجه واحد ولسان واحد ولا يتحدث بلغتين وما يقوله في السر يقوله في العلن، اضافة الى انه وفي لاصدقائه و”صاحبه صاحب” لا يطلع منهم ولا يتنكر لهم مهما كانت ظروفهم واوضاعهم.
بعد الإنسحاب السوري الشامل من لبنان عام 2005 ظنّ كثيرون ان ايام فرنجية ولت كونه الصديق الشخصي للرئيس السوري بشّار الأسد، ولكن زعيم تيار المردة ربح الإنتخابات لدورتين بعد ذلك وحقّق نتائج افضل مّما كانت ايام “الوصاية السورية”.
وبعد تفجّر الحرب السورية حيث واجه نظام الأسد خطّ السقوط، تكرّر الإعتقاد ذاته ان فرنجيه سيدفع ثمن هذه العلاقة التحالفية وان مصيره سيكون مرتبط بمصير بشار الأسد، مرّة اخرى خاب الظنّ والإعتقاد عند هؤلاء وبقي الرجل في صلب المعادلة.
– فرنجية وحقوق المسيحيين.
سليمان فرنجية حريص على دور وحقوق المسيحيين ولم يتردّد يوماً في التصدّي لأي محاولة انتقاص من هذا الدور ومن هذه الحقوق، هذا الواقع تكرّس سياسياً وعملياً من خلال اجتماعات بكركي التي ضمّت “الأقطاب” الموارنة الأربعة والتي اطلقت مسار مصالحة على الساحة المسيحية وكسرت الجليد بين فرنجية وسمير جعجع، وانتهت في معراب حيث أُعلنت المصالحة النهائية بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ .
اثبت فرنجية خلال اجتماعات بكركي وبعدها انه ملتزم سياسة الإنفتاح واليد الممدودة في اتجاه كل الأفرقاء على الساحة المسيحية واضافة الى علاقته الوطيدة مع التيار الوطني الحرّ عندما كان العماد ميشال عون رئيساً له، كما نشأت علاقة تنسيق عملاني بين تيار المردة والقوات اللبنانية عبر لجنة خاصة تمثّل الفريقين وعُهد اليها امر البتّ بكل الملفات ذات الإهتمام المشترك وبكل المشاكل الطارئة، واما العلاقة الأكثر تطوّراً فكانت بين فرنجية والنائب سامي الجميّل الذي كان منحازاً لفرنجية في معركة الرئاسة ومستعدّاً للتصويت له فيما لو اكمل حتى النهاية.
– فرنجية والساحة الاسلامية.
رغم اهتمامه الملحوظ بالساحة المسيحية واطرافها، لا يفقد فرنجية تركيزه على الساحة الإسلامية في سياق مواقفه وتوجهاته الوطنية فظلّ محافظاً على علاقة عميقة مع الرئيس نبيه بري وعلى علاقة سلسة مع النائب وليد جنبلاط، وعلى علاقة استراتيجية مع حزب الله.
إضافة الى كل ذلك نجح فرنجية في بناء علاقة ثقة وصداقة متبادلة مع الرئيس سعد الحريري من دون ان تفسد الخلافات السياسية في الودّ قضية، ومجمل هذه العلاقات شكّلت رافعة لترشيحه الرئاسي الذي كان جدّياً ويمتلك الفرصة القوية.
– ثلاث محطات واستحقاقات منذ انتخاب رئيس.
وبعد انتخابات رئاسة الجمهورية وانتخاب الرئيس عون رئيسآ للجمهورية جاء تعاطيه في ثلاث محطّات واستحقاقات على قدر من المسؤولية والجدية:
1- عندما تشكّلت اول حكومات العهد، رفض فرنجية ما هو معروض عليه واصرّ على وزارة خدماتية اساسية، وكان له ما اراد بفعل دعم حلفائه له واولهم حزب الله والرئيس بري ولم يصب تيار المردة ما اصاب حزب الكتائب من تجاهل وإقصاء عبر “الإحراج للإخراج”، ورفض فرنجية ان يجري التقليل من شأنه وموقعه، فكان ان حجز له مكاناً في الحكومة وعلى طاولة القرار.
2- عندما فُتحت معركة قانون الإنتخابات، كان فرنجية منذ البداية واضحاً في تأييده لقانون النسبية، ورفض كل الصيغ والمشاريع المختلطة وغيرها، وعندما استقرّ الرأي العام والخيار على مشروع لـ 15 دائرة، كان فرنجية الأسرع الى تبنّيه مذّكراً بأن هذا القانون جرى التوافق عليه في بكركي واعتماده كخيار ثانٍ بعد “القانون الأورثوذكسي” الذي كان واضحاً منذ البداية انه يواجه اعتراضات وتحفظات قوية.
3- عندما وجّه الرئيس ميشال عون الدعوة الى حوار ولقاء تشاوري في قصر بعبدا، تجاوب فرنجية سريعاً مع هذه الدعوة مشاركاً ومساهماً في إطلاق وثيقة متكاملة وواضعاً حداً نهائياً لكل ما قيل وأُشيع بشأن قطيعة نهائية بينه وبين الرئيس عون وقرار لديه بمقاطعة رئيس الجمهورية وعدم زيارة قصر بعبدا، وتبين انه ينتهج سياسة اليد الممدودة.
– القوات اللبنانية وتيار المردة..
في الختام يبقى ملف ” القوات اللبنانية والمردة” وفي هذا المجال تحديدآ اقول ان المسيحيون تتوجه انظارهم الى اليوم التي تتم فيها المصالحة الجدية بين القوات اللبنانية وتيار المردة وهم يصرون ويريدون ذلك، والمعلومات تؤكد ان اللقاءات بين الجانبين متقدمة وفي تطور مستمر وقد توجت مؤخرآ بالزيارة التي قام بها الوزير القواتي غسان حاصباني لبنشعي وقد رسمت قواعد سليمة وجيدة بين الجانبين بانتظار اللقاء المنتظر الذي سيفرح قلب المسيحيين بين الدكتور سمير جعجع والوزير سليمان فرنجية والذي سيطوي معه باذن الله صفحة سوداء من تاريخ المسيحيين عمومآ والموارنة خصوصآ.


على مدار الساعة

الأبرز هذا الأسبوع

على مدار الساعة

الأبرز هذا الأسبوع

اشترك بالنشرة الاخبارية للموقع عبر البريد الالكتروني