أزمة “وجوديّة” إجتماعيّة …والانسان أولاً

11:282018/01/29
A
|
A
|

 

دافيد عيسى

يشهد لبنان منذ توقف الحرب الاهلية ومرحلة ما بعد الطائف، أزمات كبيرة سياسية وأمنية اقتصادية ومالية، وكان لا يعدم وسيلة للخروج من هذه الازمات والتغلب عليها بالتوافق وابتداع المخارج والتسويات أو بالتحايل والتذاكي بطرق ملتوية.
وظل لبنان دائماً هذا البلد المثير للأعجاب القادر على تخطي الازمات والمشاكل ويساعده ذلك جملة عوامل وميزات منها ما يتصل بطبيعة نظامه المرن القادر على التعامل مع مختلف الأوضاع، ومنها ما يتصل بطبيعة الانسان اللبناني الحاذق والقادر على التكيف والتأقلم مع الازمات…
واما الدولة فكانت دائماً “الحلقة الأضعف” وتفتقر الى نهج مؤسساتي والى القدرة على استباق الازمات أو احتوائها وتصريفها بعد وقوعها، منذ سنوات قليلة بدأت ترتسم معالم أزمة جديدة خارج إطار السياسة والامن والاقتصاد، أزمة غير مسبوقة في طبيعتها المتشعبة وفي حجمها وخطورتها لأنها تتعلق بحياة الناس وأساسياتهم، بصحتهم وسلامتهم، برفاهيتهم ومستقبلهم وأمنهم الاجتماعي، إنها الازمة التي تضرب عميقاً في المجتمع اللبناني وتطال نظام الحياة وسلم القيم وكرامة الانسان، والمبادئ والمفاهيم الأساسية من حرية وعدالة اجتماعية ومساواة في الحقوق والواجبات…
لا نبالغ في القول إن أزمة اجتماعية حادة تعصف بلبنان وتهدد بتدمير ميزاته ومقوماته وقدرته على الصمود، وهذه الازمة تطال كل نواحي الحياة والمجتمع وعلى كافة المستويات وتأخذ عدة أشكال ويمكن ملاحظتها في أكثر من مجال… اللائحة تطول والوقائع واضحة فاضحة والمشاكل كثيرة وعلى سبيل المثال لا الحصر:
-انخفاض مستوى المعيشة وارتفاع حالات الفقر والعوز، واتساع الهوة بين الأغنياء الذين يشكلون أقلية مهيمنة، والفقراء الذين باتوا “أكثرية مسحوقة” حتى أن الطبقة الوسطى آخذة في التقلص والانكماش…
-ارتفاع نسبة البطالة وخصوصاً في أوساط الشباب وخريجي الجامعات الذين لا يجدون فرص عمل ويضطرون الى الهجرة قسراً بحثاً عن عمل ومستقبل أفضل تاركين وراءهم أهلاً أفنوا عمرهم وباعوا “فوقهم وتحتهم” لتعليم أبنائهم وضمان مستقبلهم وقد انتهى بهم الامر أن يصبحوا لوحدهم ويحرموا من أولادهم…
-عدم شعور المواطنين بالأمان الاجتماعي وبأن كرامتهم محفوظة وحقوقهم مصانة، نتيجة عدم توافر الحد الأدنى من الضمانات والأوضاع التي تحفظ حقهم في حياة كريمة لائقة وفي مجالات أساسية وحيوية مثل الاستشفاء والتعليم والسكن، فهل يعقل مثلاً أن يكون المرض هاجساً وكابوساً لأنه يجلب الذل والهوان على أبواب المستشفيات، وهل يعقل أن يكون التعليم العالي محصوراً بأولاد الطبقات الغنية والميسورة، وان يكون ايضاً السكن متعذراً، وشراء المنزل “حلماً” عند الموظفين والشباب وأصحاب الرواتب المحدودة مما يجعل شبابنا غير قادرين على الزواج وتحمل مسؤولية عائلة واولاد.
-التدني الفظيع والنقص الهائل في مستوى البنى التحتية والمرافق الخدماتية من كهرباء وماء واتصالات وطرق وصرف صحي ونظافة…فلا تطور ولا تقدم الى الامام ولا مواكبة للحداثة وروح العصر، وانما مراوحة وعودة الى الوراء حتى بات لبنان في مصاف دول متخلفة تقبع في أسفل اللائحة ومتأخراً بأشواط عن دول عربية وإقليمية بعدما كان قبل عقود متصدراً ومثالاً للرقي والحضارة…
-ارتفاع نسبة الامراض الخطيرة والمزمنة التي تفتك بصحة اللبنانيين واجسادهم، فلم يسبق أن شهدت المستشفيات مثل هذا “الازدحام المرضي” وان كانت الاصابات بأمراض قاتلة واولها السرطان بمثل هذا الحجم والواقع المتفشّي، وهذا ناجم بالدرجة الأولى عن الإهمال والتقصير الفادح في تأمين مستلزمات واقع صحي وسليم وخصوصاً لجهة التطبيق الصارم لمعايير الصحة والسلامة العامة في المأكولات والمتاجر والمطاعم، ولكن قبل كل ذلك، تأمين بيئة نظيفة خالية من الاوساخ والحشرات… ومدن وقرى وشواطئ نظيفة خالية من النفايات، وزراعات نظيفة خالية من المبيدات السامة والمواد “المسرطنة”.
-تفشي الفساد في الدولة والإدارات على نطاق واسع وبلوغه حدّاً لا يُحتمل ولا يطاق، وهنا وإذا كان الفساد موجوداً منذ قيام الدولة اللبنانية بشكل خجولاً، فان الفساد الذي نشهده منذ سنوات تجاوز كل الحدود، الفساد نخر جسم الدولة ومؤسساتها من أعلى الهرم الى أسفل القاعدة، وصار مكشوفاً ومفضوحاً، ولا يشعر القائمون به بوجع ضمير وحتى بالخجل، ولقد أصبحت “ثقافة الفساد” هي المنتشرة والطاغية ليس فقط على مستوى القائمين به انما على مستوى المتلقين والمتضررين منه طالما ان النظرة الى أصحاب الصفقات والسمسرات والرشاوى وهدر وسرقة المال العام ليس فيها أدنى محاسبة ومساءلة وهؤلاء مصنفون “أذكياء وشاطرين وبناديق” فيما الاوادم الخاضعين لأحكام القانون والضمير ينظر إليهم على أنهم “غافلون ” “ومعترين وهبل”…
هذا غيضٌ من فيضٍ ما يعيشه اللبناني من واقع مزر ومؤسف، لا ينسجم أبداً مع ماضيه الحضاري ولا مع مستقبله، وطبيعي في ظل هذا الوضع الذي يزداد سوءًا مع الوقت أن يشعر اللبنانيون بضائقة معنوية ونفسية ولا تعود لهم ثقة بالمسؤولين، وتقوى لديهم النزعة الى الهجرة ومغادرة الوطن، لأن لبنان الذين ينشدونه ويطمحون إليه صار بعيد المنال، ولأن لبنان الذي يعيشون فيه حالياً لا يشبههم ويشعرون فيه بالغربة هذه كلها وقائع معيوشة وأدلة حسية تظهر وتثبت الحالة الصعبة والخطيرة التي نعيشها والانحدار القوي في كل المجالات وعلى كافة المستويات في الصحة والسلوك في الفن والثقافة وفي كم الافواه واسكات الإعلاميين الاحرار، وفي نمط الحياة وحضارة المجتمع.
إنها أزمة اجتماعية فعلية تتجاوز في اخطارها وتحدياتها كل الازمات الأخرى المعتادة والمألوفة، لأنها “أزمة وجودية” طالما انها تتعلق بوجود الانسان وحياته ورفاهيته وصحته وسلامته وكرامته…ولأنها كذلك فأنها تستوجب تغييراً سريعاً وجذرياً في السياسات وطرق المعالجة والتصدي لها فتكون المسائل والملفات الاجتماعية “أولى الأولويات” والشغل الشاغل للمسؤولين والسياسيين في كل خطط ومشاريع الحكم وفي كل البرامج والعناوين الانتخابية.
لبنان كله، دولة ومجتمعاً، حكومة وشعباً، مدعو الى إدراك خطورة المسألة الاجتماعية التي لم تعد تحتمل انتظاراً وتجاهلاً واهمالاً، الوضع ما عاد يحتمل الغرق في تجاذبات وصراعات المال والسلطة، والتلهي بخلافات سياسية وطائفية والتحجج بها.
والناس ما عادوا يحتملون الثرثرة السياسية والسياسات العشوائية والارتجالية والخطط الظرفية المؤقتة كمن يعيش “كل يوم بيومه” من دون رؤية ومن دون أفق…اللبناني يستحق حياة أفضل، لبنان يستحق مسؤولين أفضل.
شعار “لبنان أولاً” جيد، لكننا نفضل أكثر شعار “الانسان أولاً”، لأنه لا قيمة لوطن من دون انسانه، إنه ناقوس الخطر وجرس انذار غير كاذب والوضع تجاوز الخط الأحمر وبات يستدعي اعلان “حالة طوارئ اجتماعية”…
في الختام أقول أيها اللبنانيون صناديق الانتخابات بانتظاركم والتغيير بيدكم ومصير مستقبلكم ومستقبل اولادكم بيدكم…القرار لكم وعندكم.


على مدار الساعة
على مدار الساعة
اشترك بالنشرة الاخبارية للموقع عبر البريد الالكتروني