ابراهيم ناصر الدين – الديار
مع انتهاء المواجهة العسكرية على الحدود الشرقية بانتصار حاسم للجيش اللبناني، وحزب الله، والجيش السوري، بدأت الاسئلة تتزاحم حول طبيعة مرحلة ما بعد تحرير تلك المنطقة من المجموعات الارهابية…واذا كانت التحديات الامنية في الداخل لاتزال قائمة وتعمل على متابعتها الاجهزة الامنية الرسمية وغير الرسمية، فان مسألة ضبط الحدود اللبنانية- السورية تلقى اهتماما غربيا لافتا، وخصوصا الجانب البريطاني المتحفذ لاستكمال ما بدأ العمل عليه منذ سنوات عبر بناء ابراج مراقبة متطورة لمساعدة الجيش اللبناني على مراقبة فاعلة للحدود المشتركة مع سوريا، وقد طرحت الكثير من علامات استفهام حول حقيقة الاهداف البريطانية من هذه الاندفاعة، ومدى تأثير وجود «طيفهم» على الحدود على حركة المقاومة التي لا تخفي اهمية الحدود الشرقية باعتبارها «الشريان الحيوي» البري الوحيد الذي يصلها بدول محور المقاومة، وقد ازدادت اهميتها الاستراتيجية منذ دخول حزب الله في الحرب الدائرة في سوريا، فهل ثمة ما يقلق في هذا السياق؟ وهل تأثرت حركة المقاومة اللوجستية في تلك المنطقة؟
قبل الاجابة عن تلك الاسئلة، تجدر الاشارة اولا الى ان ما تم تشييده حتى الان على الحدود اللبنانية- السورية 12 برجاً ،الأبراج الثلاثة الاولى احضرت من بريطانيا حيث كانت تستخدم لمنع تسلّل مقاتلي الجيش الجمهوري الإيرلندي عبر «الحدود»، أما الأبراج الأخرى فجرى تصنيعها محليا بإشراف بريطاني.. وبعد تحرير الجرود الشرقية، اعلنت بريطانيا انها ستعمل على بناء أكثر من 20 قاعدة عمليات متقدّمة، و30 مركزاً لمراقبة الحدود، كما وافق البرلمان البريطاني مؤخرا على تقديم 3.6 مليون جنية إسترليني إضافي لتدريب الجيش اللبناني، ولتأمين الأجهزة اللازمة ومنها أجهزة تحسس ورصد حراري، وإنشاء شبكة اتصالات لاسلكية آمنة…كما سيتم تدريب 11 ألف جندي لبناني، وقد جرى حتى الان تدريب أكثر من 3500 جندي وفي هذا السياق قدمت بريطانية 31 مليون دولار لبرنامج تدريب وتجهيز أفواج الحدود ، من اصل مساعدات عسكرية قيمتها 273 مليون دولار.
وبحسب اوساط امنية، ان هدف هذه الأبراج ضبط الحدود للاشراف على المعابر وتأمين الحماية للجنود في داخلها، فهي مؤلّفة من عدة طبقات، وتتسع لعدد كبير من الجنود، وهي مزوّدة بكاميرات نهارية وليليّة ومراصد إلكترونية للأفراد والآليات، وكذلك هي مزودة بالأسلحة المناسبة للتعامل مع أي تسلّل، وتقوم الكاميرات بنقل المعلومات إلى غرفة العمليات في قيادة الجيش، وتتصل الأبراج بعضها بالبعض الآخر للحصول على رؤية كاملة للحدود، وتستطيع أجهزة الأبراج رصد مساحة تصل إلى حدود الـ 20 كلم….فاين المقاومة من كل ما يجري؟
وحدها الثقة بقيادة الجيش تجعل حزب الله مطمئنا بان تلك الابراج لن تستخدم لاهداف أخرى غير حماية الحدود من تسلل الارهابيين، وكذلك منع التهريب غير الشرعي، تقول اوساط معنية بهذا الملف،اما الثقة بالبريطانيين او الاميركيين فهي معدومة، لاسباب معروفة اهمها ان التعاون الاستخباراتي بين هاتين الدولتين واسرائيل قائم على «قدم وساق» وهما لا تتورعان عن تزويد الاستخبارات الاسرائيلية باي معلومة متاحة عن تحركات المقاومة…
طبعا هناك الكثير من التساؤلات والقلق حول احتمال استفادة البريطانيين والاميركيين من المعلومات المستقاة من قبل تلك الابراج.. تقنيا، هذا الامر متاح، لكن وبحسب تلك الاوساط، فان هذه الابراج لن تقدم معلومات اكثر فعالية مما يقدمه الرصد الجوّي بالطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية التي تقوم به اسرائيل ومعها الاميركيون. فحزب الله يعمل على الارض منذ 2011 باتجاه الاراضي السورية، وما قبل ذلك التاريخ كان النشاط عكسيا، وهو طور اساليبه «للتمويه» على تحركاته، بعضها علني ولا يحتاج الى السرية، ومثال على ذلك تحركه العسكري في معركة الجرود الاخيرة، وبعضها سري، كحركته الناشطة بين لبنان وسوريا، وقد نجح في الحفاظ على خصوصيتها بعيدا عن «الاعين» …
في المقابل ثمة تأكيدات بان الجيش هو الطرف الوحيد الذي يستفيد من الرصد والاستطلاع الذي توفّره تلك الأبراج، ورغم عدم «الثقة» بحصانة هذه المنظومة من «الخرق»، خصوصا ان الامر متاح امام البريطانيين باعتبارهم الجهة المصنعة، الا ان ذلك لا يبدو انه يشكل مصدرا للقلق عند المقاومة، بوجود ضمانة الجيش، وقد اثبتت الاحداث ان ثمة «شراكة» تعمدت بالدماء مع المؤسسة العسكرية، والعلاقة تتجه نحو المزيد من التعاون…
وبحسب تلك الاوساط، فان التجربة العملية حتى الان، اثبتت ان وجود هذه الابراج لم يشكل اي عائق امام مقاتلي حزب الله في معركتهم في الجرود، كما انها لم تؤثر على «نشاط» الحزب في عملياته المستمرة في سوريا، ولم تشكل هذه الفترة اختبارا للمؤسسة العسكرية، بل اختبارا للقوى الاخرى ، وقد اثبتت التطورات انها حتى الان لم تستثمر جهودها لدعم الجيش على الحدود الشرقية لتجاوز المهمة المعلنة من قبلها، اما الحكم على المستقبل فيبقى في اطار «التكهنات».. لكن الخلاصة الاكيدة ان المقاومة لا تترك الامور «للصدفة»، فما ترصده الاجهزة الاستخباراتية «المعادية» لن يزداد «قيد انملة»، ما تعرفه سيبقى على حاله، وما استطاعت المقاومة ان تبقيه سرا سيبقى بعيدا عن «الرصد»، وحركتها على الحدود الشرقية ترعاها تفاهمات «ضمنية» مع المؤسسات الامنية اللبنانية، ولم يدخل عليها ان تعديل يذكر…
واذا كانت بريطانيا والولايات المتحدة تقدم مساعداتها الى الجيش اللبناني تحت عنوان «مكافحة الإرهاب« التكفيري، فان تنسيق هذه المسائل تتولاه قيادة الجيش الاكثر قدرة على تقييم احتياجاتها اللوجستية لاتمام مهمات وحداتها القتالية… وكل ما يساعد الجيش على استكمال جهوزيته «تباركه» المقاومة، باعتباره شريكا في المعادلة «الذهبية»، واي كلام آخر في هذا السياق لا معنى له على ارض الواقع…واذا كان الحزب لا يعترض على تسليح الجيش اميركيا، ولم يعترض على وجود خبراء اميركيين وبريطانيين، فهو بالطبع غير قلق من وجود تلك الابراج..
اما بالنسبة الى مسألة ترسيم الحدود، فهذا الامر مناط بالدولتين السورية واللبنانية، ولا يمكن ان يتم من طرف واحد ويحتاج الى تنسيق بين الجانبين، طبعا لا يتعلق الامر بالقرار الدولي 1680 الذي صدر في 17 أيار 2006، والذي طلب آنذاك من سوريا، ولاسباب «مشبوهة»، ترسيم الحدود بين البلدين، ولكن مسألة تتعلق بحسم ملكية مساحات شاسعة من الاراضي، ويشكل مصلحة للجانبين، ودمشق لا تمانع اجراء مماثلاً، لكن هذا يحتاج الى قرار لبناني رسمي بفتح قنوات اتصال مع الجانب السوري، وهو امر غير متاح حتى الان بسبب رفض رئيس الحكومة سعد الحريري التواصل مع الحكومة السورية..
في الخلاصة، وحدها الثقة بين قيادة الجيش والمقاومة، كفيلة بازالة اي التباسات يمكن ان يثيرها البعض، عقيدة المؤسسة العسكرية واضحة ولا تقبل اي تأويل، وما تطلبه القوى الغربية من الجيش توقف منذ زمن عن حدود المصلحة الوطنية اللبنانية التي لم تدع المؤسسة العسكرية لاي طرف خارجي تحديدها، ويعرف الاميركيون والبريطانيون «الخطوط الحمراء» التي لا يستطيعون تجاوزها في العلاقة مع القيادة العسكرية…وفي هذا الاطار تجدر الاشارة ازاء كل ما تقدم، ان تلك الابراج تم تشييدها تحت «اعين» المقاومين، وحزب الله ليس بعيدا عن تفاصيل تلك الخطوة الميدانية…



